الثلاثاء، 19 يناير 2016

حماية طفل ذوي الاحتياجات الخاصة من العنف طريق للجنة بقلم الكاتبة سارة السهيل


حماية طفل ذوي الاحتياجات الخاصة من العنف طريق للجنة

بقلم الكاتبة سارة السهيل



خلق الله كل شيء بقدر وبحكمة لا تدركها عقولنا المحدودة، وجعل داخل كل مصيبة تواجهنا في الحياة ابوابا للرحمة، ولعل اصعب ما تواجهه أية أسرة هو وجود طفل من ذوي الاحيتاجات الخاصة، والذي يفتح به الرحمن ـ جل جلاله ـ  لنا بالتعامل الرحيم معه ابواب الجنان .
 
وللأسف الشديد فإن المجتمعات خاصة العربية منها تنظر لطفل الاحتياجات الخاصة نظرة دونية، كما تنظر لاسرته نظرة احتقار فيغلقون ابواب الجنان في وجوههم وبأيديهم، بل ويمارسون كل انواع العنف ضد هذه الاسرة وطفلها، خاصة الأم التي تعاني ويلات العنف من المجتمع لانجابها طفلا معاقا جسديا او عقليا .
 
تواجه الأسرة التي لها طفل يحمل أحد اشكال الاعاقة مشاكل اجتماعية جمة، تشعرها بالخجل والارتباك والاحساس بالصدمة والحزن او الغضب والاحباط واحيانا تواجه الخوف والعزلة والقلق والشعور بالنقص واحيانا رفض الطفل المعاق والخوف من المستقبل والاحساس بالدونية .
 
وللأسف فإن هذه الأسرة تنقل هذه المشاعر السلبية ضد هذا الطفل المعاق من حيث الرفض وعدم التقبل ونكران وجوده  بما يعني إهماله وعدم المبالاة به وباحتياجاته، فلا تهتم الأسرة بمأكله ومشربه وهندامه ولا توفر له الرعاية الصحية اللازمة  ولا تراعي مشاعره وعجزه واحباطاته، ويحاولون جاهدين اخفائه من حياتهم بشتى الطرق، عبر إخفاء الطفل في البيت أو أحيانا وضعه في بيت أحد الاقارب البعيدين عن الناس أو وضعه في دار رعاية من دون السؤال عنه لأنه في نظرهم، ونظر مجتمعهم العنيف والقاسي عار يهدد مستقبلهم .

وفي كثير من الاحيان فإن هذا الطفل يواجه الرفض حتى من افراد الاسرة كالاخوة والاخوات بتجاهله علانية فيعاقبونه احيانا بطريقة غير علنية وذلك لانه سبب لهم الاحباط المباشر وغير المباشر وقد سبب لهم الاحراج والخجل .
 
فهناك بعض الأسر تخفي الطفل خوفا من عدم زواج إخوته واخواته بسبب إعاقته ويقومون بنكرانه تماما بل وحبسه في مكان بعيد في البيت خوفا من كلام الناس أو الاعتقادات بأن هذه الأمراض وراثية ومن الممكن أن تتكرر في الأسرة بين باقي الأفراد الأصحاء بعد زواجهم .

كما تحدث حالات من العنف ضد الطفل المعاق من اخواته غير الناضجين بسبب الغيرة فمن الممكن ان لا يدرك الطفل معنى إهتمام أمه وأبيه أو احدهما بأخيه المعاق أكثر منه، فتبدأ الغيرة و ردود الأفعال القاسية اتجاه الطفل المعاق. 

وهناك بعض الحالات من تعنيف الأم لطفلها المعاق كنوع من القصاص له لاعتقادها انه سبب شقائها وخاصة بسبب لوم المجتمع لها و أهل الزوج بأنها أنجبت طفلا غير مكتمل أو له نقص من وجهة نظرهم، فبالطبع إلقاء اللوم على الأغلب يقع على المرأة في مجتمعاتنا العربية و الشرق أوسطية ولهذا تصب الأم غلها على طفلها الضحية. 

كما نجد في بعض المجتمعات الريفية أو المناطق التي لم تصل لها الحضارة الإنسانية بأن يقوم الأب بتعنيف طفله المعاق لأنه كان ينتظر ذكرا يحمل اسمه ويساعده في عمله و يصبح جدا من خلال أطفاله وهو بنظره حطم آماله بكل هذه الأمور فيصب غضبه عليه وعلى أمه واحتمال على الأسرة كلها. 

وهناك بعض الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة لديهم انفعالات نابعة من الكبت أو الأمراض النفسية التي لحقت بإعاقتهم بسبب سوء المعاملة وسوء الرعاية فتقابل انفعالاته بعنف فوق العنف بدلا من معالجتها والانتباه لها كمؤشر لخلل أو عدم الرضا لدى طفلهم المريض. 

اما بعض الحالات من الإعاقات الجسدية مثل الشلل أو فقدان البصر أو غيرها من الإعاقات التي لا تتعلق بالعقل والذهن تتحول بفعل سوء المعاملة و العنف إلى أمراض نفسية وعصبية وبهذا يكون الأهل أو المجتمع سببا بإضافة تعب على التعب .

إن الحالات كثيرة ولا يمكنني سردها جميعا إلا بنماذج بسيطة كأمثلة رغم المآسي الكثيرة فلكم أن تتخيلوا.
 
وترجع ثقافة العنف ضد الاطفال ذوي الاحيتاجات الخاصة من جانب الاسرة والمجتمع الى غياب الرحمة في القلوب ولغياب الوعي الكافي بالطرق المثلى  للتعامل مع فئة المعاقين، فالمجتمع يعوزه الكثير الكثير من الاعداد والتدريب واعادة التأهيل لمد يد العون لهذه الفئة من الاطفال، فهم بحاجة  للمحبة والإحترام والحنان واللعب والاستكشاف والرعاية النفسية والطبية لتنمية مهارات أجسامهم وعقولهم وإشعارهم بأنهم موضع ترحيب وتقدير في العائلة والمجتمع.
 
ولعل إهمال تربية وتعليم هذه الفئة وعدم إعدادها الإعداد المناسب في أي مجتمع من المجتمعات يعد خرقا لحقوق الطفل و لمبدأ تكافؤ الفرص التعليمية، ذلك لأن التعلم يعد حقا من الحقوق الأساسية والضرورية لكل فرد من أفراد المجتمع، وان تربية وتعليم هؤلاءالاطفال يعود بفائدة كبيرة على المجتمع وعلى الفرد .
 
وتكمن أزمة الاطفال المعاقين، في انهم عاجزين عن الفصل بين السلوك العادي والسلوك غير العادي الموجه لهم من قبل الآخرين وبخاصة المعاقين ذهنيا كما انهم بحاجة ماسة ودوما إلى مساعدة الغير، وهم لايبوحون احيانا بالإساءة خوفا من فقدان الشخص الذي يتولاهم بالرعاية .
 
حيث يتعرض الأطفال ذوو الإعاقة الذهنية إلى العديد من أساليب التربية والتنشئة الإجتماعية غير السوية في البيئة الأسرية والمدرسة، وتتفاوت هذه الأساليب من العنف والإساءة البدنية والنفسية، إلى إهمال المعاق عقلياً، ونبذه إنفعالياً ونفسياً، وإهمال أو عزل الإبن المعاق من الأسرة عن المجتمع.
 
 كما تؤثرالخصائص الأسرية سلبياً على استعداد الأسرة لرعاية الإبن المعاق والقيام بوظائفها تجاهه، مثل انخفاض المستوى التعليمي للأسرة، قلة الدخل الاقتصادي، الإضطرابات النفسية والصحية التي يعاني منها الوالدان.
 
العنف يدفع المعاق للعدوان:
 
وتعد الإساءة للأطفال المعاقين،  من أخطر أنواع الإساءات الموجهة للأطفال؛ نظراً لما لها من آثار سيئة عليه، حيث يتحول الطفل إلى موضوع لعدوانية الكبار جسمياً وانفعالياً؛ مما ينعكس سلباً على صحته النفسية، حيث يتحول هو الآخر إلى الجنوح والعدوانية.
 
حيث اثبتت الدراسات العلمية أن العنف الموجه ضد الأطفال المعاقين ذهنياً قد يطور حالاتهم العقلية إلى الأسوأ، بحيث تصل إلى مراحل متقدمة ومستعصية على العلاج في حالة تعرضهم المتكرر للإساءة من قبل الأسرة أو المدربين في مراكز التأهيل، والمدرسين في المدارس الخاصة؛ نتيجة إخفاق الفئات السابقة في التعامل مع حاجات ومتطلبات أبنائهم من ذوي الإعاقات المختلفة عموماً والعقلية منها تحديداً.
 
والطامة الكبرى ان يأتي هذا العنف والاساءة للطفل المعاق من جانب  الوالدين أو أحدهما،  حين يتسم سلوكهما بالعنف نحو الطفل، مما يؤدي لإصابته بأذى جسدي. ومن المظاهر الشائعة لهذه الإساءة (الكدمات - التجمع الدموي – الحروق – الجروح – الخدوش) . وتنتشر إساءة المعاملة الجسدية بين أسر الأطفال المعاقين عقلياً بصورة أكبر من الأسر العادية؛ اعتقاداً منهم أن هذا هو أسلم طرق التربية وضبط  سلوك الطفل.
 
وقدت أثبتت  الدراسات أن العنف والإيذاء يتخذ أشكالاً عديدة، ومظاهر مختلفة. وقد دعت منظمة الصحة العالمية المجتمع الدولي إلى حملة دولية لتحسين رعاية الصحة العقلية والنفسية لهذه الفئات، والذين يقدر عددهم بحوالي (400) مليون شخص في العالم، (80%) منهم من الدول النامية.
 
ويذهب الخبراء الدوليون العاملون في "اليونيسيف" إلى أن علاج ظاهرة العنف، أو ما أطلقوا عليه "تحطيم دائرة العنف"، يتم من خلال توعية الآباء والأسر حول الآثار المترتبة على العنف ضد الأبناء، وتنمية وسائل التنشئة أو العقاب التي لا تعتمد على العنف، وسن التشريعات القانونية التي تهدف لإصدار عقوبات قانونية ضد كل من يمارس العنف ضد الأطفال، كذلك من خلال إدراك أن العنف الموجه ضد الأطفال هو عنف موجه ضد المجتمع ككل، وهو فعل إجرامي من الممكن السيطرة عليه من خلال إدراك فكرة أن السلام يعد من أهم الحقوق الإنسانية، وهذه المسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً.
 
كما تشير العديد من الدراسات إلى تعرض فئة المعاقين بوجه عام، والمعاقين عقلياً بوجه خاص، إلى أنماط مختلفة من الإيذاء البدني والنفسي، وتشير كذلك إلى أن أسباب تعرض هذه الفئة للإيذاء إما تتعلق بخصائص الأسرة، أو الطفل، أو بكليهما معاً.
 
وتشير دراسة أخرى إلى أن هناك العديد من السلوكيات الخاصة بالأطفال المعاقين ذهنياً الذين تعرضوا لإيقاع الإساءة البدنية عليهم، ففي دراسة للباحثة " ليناة أبوشريف 1991"، لعينة من الأطفال المعاقين ذهنياً الملتحقين بمدارس التربية الفكرية في عمان، توصلت إلى أنه من أكثر السلوكيات غير التكيفية ارتباطاً بالإساءة البدنية للأطفال المعاقين ذهنياً هي النشاط الزائد، الإنسحاب، العـدوان، القلق والخوف، التردد والسلبية، الفوضى والتخريب، العادات الشاذة، والسلوك النمطي.
 
قصور الاعلام:
 
أما الإعلام  في غالبه فقد ركز في برامجه على الأفلام والمسلسلات التي تسخر وتتندر من المعاقين وجعلهم مثاراً للضحك والنكت، ولم يهتم بإلقاء الضوء على مشاكلهم وحقوقهم وإيجابياتهم، بل ركز على عجزهم وقصورهم ، ولم يهتم بجعل قنوات خاصة بهم أو حتى برامج كافية لمناقشة مشاكلهم، واكتفى بتغطية الحدث في أوقات معينة، فلم يهتم بالعنف والإيذاء والتحرش التي تتعرض له هذه الفئات.
 
بينما يتفق أغلب الاختصاصيين والمعالجين النفسيين على أن هناك نقصاً حاداً في المجتمع بشأن كيفية التعامل مع هذه الشريحة المهمة. وعلى وجود نقص واضح في وسائل التوعية المتنوعة في الوقت الذي هي مطلوبة بشكل جاد وسريع إذا أضفنا لها نقصاً واضحاً في سن القوانين المتعلقة بحفظ حقوقهم.
 
 دور الجمعيات الخيرية:
 
يمكن للجمعيات الخيرية ان تلعب دورا كبيرا في مواجهة العنف الأسري والإساءة البدنية الموجهة للأطفال ذوي الإعاقة الذهنية، من خلال قيامها بإنشاء مراكز الإرشاد الأسري داخل الجمعيات الخيرية؛ لتوعية وإرشاد الأسر حول الأساليب العلمية والإنسانية للتعامل مع هذه الفئة. 
والتوعية المجتمعية والأسرية والدينية حول الحقوق الإنسانية لفئة المعاقين ذهنيا، بالندوات التي يحاضر فيها المتخصصين من رجال الدين و أساتذة علم الاجتماع والتربية الخاصة للتحدث حول خصائص هذه الفئة واحتياجاتها في المراحل العمرية المختلفة، وأساليب تعامل الأسرة مع أبنائها ذوي الإعاقة الذهنية.
 
وتنظيم دورات تدريبية في الجمعيات الخيرية للأسرة حول أساليب التنشئة الاجتماعية الملائمة للأبناء ذوي الإعاقة الذهنية. والتوعية الدينية من خلال الجمعيات الخيرية حول النظرة والتعامل الإنساني للديانات السماوية لفئة المعاقين ذهنيا، وذلك من خلال الندوات والمحاضرات التي يتم فيها استضافة المتخصصين من رجال الدين للتحدث حول النصوص الدينية والأحاديث النبوية التي توضح نظرة الدين لهذه الفئة، وثواب صبر الأسرة على ابتلاء الإعاقة، حيث تؤكد العديد من الدراسات الميدانية مدى تأثير ذلك على تحسن معاملة الأسرة للإبن المعاق ذهنيا.
 
الحماية:
 
وتظل  حماية الاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة مسؤولية انسانية واجتماعية ودينية عظمى، بل إن حمايتهم من العنف والقسوة من أعظم صور الأخلاق الرفيعة والسمو الإنساني ، فاذا اردنا أن نتخلق بأخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم فنتخلق باخلاق الرحمة المحمدية في معاملة المعاقين و أخلاق سيدنا عيسى عليه السلام وموسى وكافة الأنبياء والتي يفتح الله لنا بها ابواب الجنان ، من خلال توعية المربين حول الآثار المترتبة على العنف، وإقامة الدورات والندوات التي تتحدث عن حقوق الأطفال المعاقين وما يجب علينا تجاههم، إضافة إلى البرامج التوعوية حول آلية ومهارات التعامل مع الأطفال، بجانب ضرورة وضوح القوانين والإجراءات التي تتخذ تجاه من يمارس العنف ضد الأطفال المعاقين منهم بشكل خاص.