الثلاثاء، 27 فبراير 2018

الحب جنة في الأرض تحتاجها دولنا العربية لتستعيد وحدتها

في عيد الحب الذي يتهافت فيه العشاق علي تبادل المشاعر الحانية تحقيقا لفطرتهم الانسانية، ويتبادلون فيه الهدايا ترجمة عن صدق مشاعرهم تجاه بعضهم البعض، فان هذه المشاعر نواة لمستويات عديدة من حاجة البشر للتحاب والرحمة وتآلف القلوب كحبنا لوالدينا وأبنائنا وأصدقائنا، وأوطاننا وقوميتنا وثقافتنا وهويتنا وصولا لمرتبة العشق الالهي الذي جسدته رابعة العدوية.
ولو نظرنا للحب في أعلي مراتبه لوجدناه قد تجلي في علاقة الخالق العظيم بنبي الرحمة محمد صلي الله عليه وسلم ، بل ان أعلي درجات كمال العبودية للخالق هي تلك القائمة الحب كما عبر عنها القرآن الكريم بقوله تعالي في سورة المائدة ' يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ' .
اذن فالحب ضرورة انسانية فطرية جبل الله عليها بني البشر الا من نزعها من قلبه وأحل محلها مشاعر الكراهية والبغضاء والتحالف والمؤامرات التي نعيشها في عالم اليوم بين دولنا العربية.
ولذلك، فان الحب لم ولن يكن مظهرا ترفيا او مجرد رفاهية انسانية، بل هو حاجة نفسية تحقق التوازن النفسي للأفراد والمجتمعات، فقد نملك المال او الجاه او السلطة والأبناء لكننا نفتقر للسعادة نتيجة غياب عنصر رئيسي فيها وهو الحب.
فقد تملك دولة كل مظاهر القوة العسكرية والاقتصادية والبشرية ولكنها تخلق مشكلات وتصنع عدوات لها مع دول الجوار فلا تجد راحة ولا تشعر بالأمان والسلام رغم قوتها!
يأتي عيد الحب، و نحن في عالمنا العربي قد هجرناه بعد أن تبعثر الحب بين الاشقاء العرب، وتناسي الكثيرون العديد من الانشودات الخالدة التي عكست معاني التلاحم العربي بالحب والرحمة كما في أنشودة ' وطني حبيبي الوطن الاكبر ' التي شدا بها عمالقة الغناء في عالمنا العربي.
الأنكي من اننا قد هجرنا الحب، فإننا قد تحولنا الي أعداء، كل دولة عربية جارة تعادي شقيقتها، بل ان أبناء الدولة الواحدة يتقاتلون فيما بينهم تارة من أجل المذهب الديني او السياسي او المصالح الشخصية الزائلة، بينما يفتك بنا طيور الظلام من الارهابيين والتكفيريين في معظم أقطارنا.
فأين هي قلعة الحب العربي؟ ولماذا انهارت بهذه السرعة الفائقة؟ وكيف سمحنا كشعوب عربية ان تتحول دولنا الي غابة تتقاتل فيها وحوش الانسانية تستبيح الدم العربي في كل مكان وتغتال الاطفال الصغار في اليمن والعراق وسوريا وتيتمهم، وترمل النساء، وتقضي علي الأخضر واليابس ولا تترك شيئا للمستقبل سوي اعتصارنا للألم؟
سنوات كئيبة مرت علي شعوبنا العربية لم نعرف فيها سوي لغة القتل والدمار والذبح والقصف والإعدام، رائحة الموت تشتم في كل مكان، والدم يغطي وجه اليابسة بدلا من الزرع الأخضر، وحل صوت البنادق والصواريخ محل أغصان الزيتون، والقتلى منتشرون في الطرقات كأوراق خريف بالية، بينما الأحياء بأجسادهم منا يعيشون في خوف ورعب وقلق لانهائي.
فكيف نغير لغة الحرب المنتشرة بين أقطارنا العربية وبين أبناء الوطن الواحد؟ أي عقل وأي فكر جعلنا مرضي لجهالة البغضاء والحقد والعداوة بيننا؟ ولماذا نستسلم بكل سهولة أمام شيطان التباغض بين أقطارنا في حين ان العلاج سهل وميسر وهو الحب الذي يملأ قلوبنا طمأنينة وسعادة وأمل.
ولماذا نحرم أنفسنا شعوبنا من نعمة الحب الذي يملأ قلوبنا بالراحة ومجتمعاتنا بالأمان، فوفقا للعلم البشري فقد حدد العالم النفساني ماسلو، الذي بنى هرم احتياجات الإنسان الأولية من طعام وشراب، حاجة الإنسان إلى الإحساس بالعاطفة والطمأنينة، أي الحاجة الى منح الحبّ وتلقّيه، فيما يتفق المحللون النفسيون على أنّ الحب احتياج قائم بحد ذاته لتحقيق التوزان النفسي.
فاذا كان الحب علي هذا النحو من الأهمية في حياتنا، فلاشك اذن اننا نعمل جميعا علي نشر ثقافة التحاب والرأفة والرحمة بين أبناء مجتمعاتنا، وان نبذل قصاري جهدنا في ان يحل الحب والوئام محل العصبات القبلية او المذهبية والدينية أو السياسية الرخيصة التي تهوي ببني البشر الي مستنقع سحيق ويحكم عليه بالفناء، بينما الحياة هي حب وتفاؤل وبناء.
في اعتقادي ان التراجع القيمي والاخلاقي الذي انتشر في عالمنا العربي كالنار في الهشيم، وانعكس بدوره علي كل مفردات حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكلها شهدت تراجعا حادا في قياساتها مرجعه كله الي غياب الحب في حياتنا.
أظن اننا في أشد الحاجة لأن نعمل عقلنا ونفتح بصيرتنا لحاجتنا الي حب والانتصار له كقيمة عليا تفرضها علينا فطرتنا السوية، فلا أمل لوجود مجتمع عربي متماسك قوي البنيان بمعزل عن اعلاء الحب القيمة الأكبر في مفاهيمنا وتصوراتنا وعلاقتنا اليومية بالكون والطبيعة، والتفاعل السوي بين أفراده لا يتحقق الا بالحب كقيمة وجودية حقيقة وليس ترفا او هزلا.
والحب مثله مثل الكائن الحي ينمو ويترعرع كالزرع الاخضر اذا ما سقي بماء التراحم والتسامح، وهو ما يقودنا الي تصالحنا مع أنفسنا ومع الأخرين وحينها ينمو الحب ويستوطن بلادنا و شعوبنا وأعمارنا.
وقد قرن سيد الخلق والرسل سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم الايمان ورزق الجنة بالحب في حديث صحيح قال فيه : ' لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشو السلام بينكم' .
وهذا الحديث الشريف يحمل دلالات عميقة لقيمة الحب في جوهرها، ومن هذه الدلالات الفارقة هو اننا يمكنا ان نحول حياتنا الي جنة علي الارض بالحب، وقد نحولها الي جحيم بهجر الحب.
وفِي الختام فقط لو نطبق ما قاله سيدنا يسوع المسيح عليه السلام لعشنا في خير و سلام نحن كعرب و جميع القوميات التي تعيش بيننا او بجوارنا في الشرق الأوسط و العالم 

أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردوكم' (مت5: 43، 44). 

الاثنين، 12 فبراير 2018

العالم ضائع بين توحش الرأسمالية وقتل الاشتراكية للإبداع الفردي

بعد المشكلات التي عاني منها الاقتصاد العالمي بسبب العيوب القاتلة في النظام الاشتراكي، فان العالم قد ظن انه قد وجد ضالته المنشودة في النظام الرأسمالي لكنه هو الاخر قاد العالم الي كوراث طاحنة كالفقر والبطالة والطبقية والاحتكار وغيرها.

تناقض رئيسي

يبدو التناقض جليا بين الرأسمالية والنظام الاشتراكي كمدرستين اقتصاديتين عالميتين، ففي الوقت الذي تدعو فيه الرأسمالية إلى حرية الأفراد في الإنتاج وحقهم بالأرباح، تؤكد الاشتراكية على أحقية توزيع الربح على المجتمع أو القوى العاملة بالتساوي.

كما تمثل المساواة الاقتصادية ودور الحكومة، نقاط خلاف جوهرية بين الاشتراكية والرأسمالية، حيث يري الاشتراكيون أهمية تحقيق المساواة الاقتصادية عبر برامج الدعم التي تنفع الفقراء كمجانية التعليم العام، والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي للمسنين، بينما يعتقد الرأسماليون أن الحكومة لا تستخدم الموارد الاقتصادية كفاءة قياسا علي المؤسسات الخاصة، ومن ثم فان السوق الحرة اكثر افادة للمجتمع.

ففي النظام الاشتراكي تؤول الملكية سواء الإنتاج والأراضي والآلات والمصانع للدولة، بينما لا يملك واحد من الأفراد شيئًا من عناصر الإنتاج، لا يملك أرضًا ولا مصنعًا ولا آلات، وإنما كل ذلك ملك للدولة وجميع الأفراد يعملون لدى الدولة، وهو ما يعرف بالقطاع العام، في المقابل تقوم الدولة بسد حاجتهم من الطعام والشراب، وتوفير الخدمات المختلفة لهم من الصحة والتعليم وغيره.

ويقضي النظام الاشتراكي علي الطبقية، ويصبح الناس طبقة واحدة ، كما انه يحقق استقرار للاقتصاد القومي كنتيجة للتخطيط الاقتصادي، وتنمية روح التعاون والمساعدة بين أفراد المجتمع واحساسهم بالمسؤولية الوطنية ومحاولة تحقيق اكبر قدر من الكفاءة والانتاج وعدم الاستغلال.

وتتوافر في الاشتراكية قيمة الإحساس بالمسؤولية والمشاركة في إشباع حاجات المجتمع، وكفالة احتياجات المجتمع مجانًا، فالتعليم مجاني ورعاية الصحة مجانية والترفيه مجاني وغيره. ورغم ذلك فان للنظام الاشتراكي عيوب خطيرة تتمثل في المركزية الشديدة وتركز السلطة ونتج عن ذلك العديد من الأخطاء قلصت من الكفاءة الاقتصادية والكفاءة الإنتاجية في تخصيص الموارد بجانب التأخر في اتخاذ القرارات مما يؤدي الي سوء استغلال الفرص.

ناهيك عن ان الاشتراكية قد أدت الي تعميق البيروقراطية والتعقيدات المكتبية بسبب ان القرارات يتخذها جهاز التخطيط المركزي مما يتطلب معه عدداَ كبيراَ جداً من الموظفين الذين يقومون بجمع البيانات والإحصاءات وتبويبها وتحليلها وموظفين آخرين لدراستها ومقارنتها، وترتب علي ذلك تضخم الجهاز الإداري وتزايد الأجهزة الرقابية، ومن ثم ارتفاع تكاليف الإنتاج، بخلاف التسيب والفساد.

ولم تفلح الاشتراكية في تحقيق هدفها الرئيسي وهو العدالة في توزيع الثروات، حيث ذهب فائض القيمة الي الدولة ولم تستفد به العمالة، فضلا عن ان إنتاجية العامل في النظام الاشتراكي أقل من إنتاجية العامل في النظام الرأسمالي، بسبب غياب حافز الربح.

التوحش الرأسمالي

يقوم النظام الرأسمالي الذي أفرزته الثورة الصناعية في أوربا، بعد ثراء الطبقة البرجوازية وتمركز رؤوس الاموال، على مبادئ الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج والمبادرة الفردية والمنافسة الحرة، بحيث يتم تقسيم العمل وتخصيص الموارد عبر آلية السوق دون الحاجة إلى تدخل الدولة، فيما يحق للملاك الاحتفاظ بالأرباح وامكانية اعادة استثمارها.

ورغم بعض المزايا التي تحققت في النظام الرأسمالي، الا انه يخلف أزمات يصعب الخروج منها، وقد صدق حدس الاقتصادي البريطاني جون كينياس في نظريته المنسوبة إليه في منتصف الثلاثينات، والتي يري فيها أن الاقتصاد الرأسمالي غير قادر على حل مشاكله بنفسه، مؤكدا علي وجود أوقات كساد اقتصادي تحتم على الحكومة بأن تحفز الاقتصاد.

وبموجب ذلك، فلا غرابة اذا يتسبب النظام الرأسمالي في حدوث أزمات عنيفة هزت الدول المتبعة لهذا النظام، كأزمة الكساد الكبير، وهي أزمة اقتصادية في عام 1929 ومروراً بالثلاثينيات وبداية الأربعينيات، وتعتبر أكبر وأشهر الأزمات الاقتصادية في القرن العشرين، وصولاً إلى الأزمة العالمية في سبتمبر عام 2008، والتي بدأت في أمريكا وكادت تفتك بالدول المرتبطة بالاقتصاد الأمريكي.

ناهيك عما تفرزه الرأسمالية من سياسة الاحتكار الذي يعد ابتزازا صارخا لحاجة المستهلك، فضلا عن أنانية المستثمرين إذ يتحكم فرد أو مجموعة في السوق تحقيقاً لمصالحهم الشخصية علي حساب المجتمعات والشعوب.

وللأسف فان أنصار الرأسمالية قد اعتقدوا ان نظام السوق المفتوح هو الأجدر علي خلق روح المنافسة وحماية حقوق الفردية، لكنهم في المقابل قد استبعدوا او تغافلوا عن الطمع و الجشع البشرى ودور العوامل السياسية الدولية في التحكم بمجريات السوق العالمي، حتي كشفت الرأسمالية عن وجهها القبيح في التسبب في زيادة معدلات الفقر والمجاعة في العالم نتيجة انتشار البطالة والاحتكار للشركات العابرة للجنسيات والقارات.

عالم اليوم

استفاق عالم اليوم علي حقيقة النظام الرأسمالي في الدول المتقدمة بعد تطبيقه لأكثر من150 عام، واكتشف سوءاته وأدركت ضرورة تدخل الدولة في النظام الاقتصادي لضبط السوق وحركة المجتمع وحماية الشعوب من الهلاك من انحرافات الرأسمالية.

فالحرية الفردية المطلقة التي اطلقتها الرأسمالية ثبت انها حرية وهمية، فلا يتمتع بها سوى فئة محدودة من الأفراد داخل المجتمع مثل ملاك عناصر الإنتاج، فالعامل الأجير لا يتمتع بالحرية المطلقة، كما تسببت المنافسة بين الطبقة العاملة والتي تمثل غالبية الشعب إلى قبول العمال أجور منخفضة حتى لا يتعرضوا للبطالة والتشرد.

أما حرية الإنتاج فإنها كانت مطلقة بالنسبة لأصحاب الأعمال حيث يستطيع صاحب العمل أن ينتج ما يشاء بالكمية التي يراها هو ولا يبالي بحاجات الأفراد ذوي الدخول المتواضعة، بل بالعكس.

كما أدي حرية صاحب العمل في إنتاج السلع الكمالية المرتفعة الثمن التي لا يشتريها إلا الأغنياء، الي تراجع الإنفاق في الاقتصاد نتيجة تدني دخول افراد القطاع العائلي، خاصة بعد أن تقلصت الثروة في يد أعداد قليلة من الشعب.
ومن جانب آخر فإن الأثر السيء الذي يخلفه سوء توزيع الثروة لا يقتصر عن الجانب الاقتصادي والاجتماعي فقط إنما يتعدى إلى الجانب السياسي، فمع تركز الثروة في يد قلة فإن ذلك يجعلهم يطمعون في أن يمتد نفوذهم إلى إدارة شؤون البلاد واعتلاء أعلي المراكز فيها عبر السيطرة على الأحزاب والانتخابات.

حلول الاقتصاد المختلط

ولجأت بعض الدول العالم الي الاقتصاد المختلط، هو نظام اقتصادي يعرف بأنه درجة من الحرية الاقتصادية ممزوجة بتخطيط اقتصادي مركزي.

وقد تكون فيه الشركات مملوكة للأفراد واخري مملوكة للدولة، كما يحتوي الاقتصاد المختلط على عناصر من النظام الرأسمالي والنظام الشيوعي، أو الجمع ما بين عناصر من الاقتصاد المخطط واقتصاد السوق.

حيث يعتمد النظام الاقتصادي المختلط على خطة اقتصادية تقوم على الحوافز لتنفيذ الخطط كما يسعى النظام المختلط للاستغلال الأمثل لكل عناصر الإنتاج واستقرار الأسعار، بجانب الإنفاق الحكومي على الخدمات والضمانات الاجتماعية، تقديم مساعدات للطبقة الفقيرة ، وتفاعل قوى السوق مع تدخل الدولة والرقابة الحكومية.

ويمثل اقتصاد السوق الاجتماعي المطبق سوريا نموذج الاقتصادي المختلط وهي تجربة ناجحة جدا مكنت سوريا رغم ما تعانيه من ظروف حرب ضروس من سد احتياجاته الغذائية والدوائية وغيرها، فاقتصاد السوق الاجتماعي يعد محاولة وسط بين محاسن الرأسمالية والاشتراكية وتطبقها الكثير من دول العالم، حيث يمتاز بالإبقاء على دعم بعض السلع الأساسية، مع فتح بعض القطاعات للاستثمار الخاص.