الجمعة، 22 يونيو 2018

الثروة الليبية مطمع للمافيا الدولية

بعد سبع سنوات عجاف مرت علي الشعب الليبي عقب اندلاع ثورة وهمية صنعها ساركوزي باعترافه ليغطي علي فضيحة تلقي أموال ليبية في حملته الانتخابية، فقد انكشف المستور، بات واضحا للعيان كيف كانت الثروات الليبية المجمدة في الخارج نهبا لأطماع الدول الغربية المودع بها بلايين الدولارات التي هي حق الشعب الليبي وأجياله المتعاقبة.

بعد هذه السنوات الثقيلة والقاتلة، أدرك كل مواطن عربي كيف كانت المنطقة العربية ومنها ليبيا فريسة لمخطط غربي جهنمي لاستلاب ثروات شعوبنا وتجويعها وادخالها في دوامات لا نهائية من الفوضى السياسية والأمنية والاقتصادية.

بدنا نفهم لماذا تحولت ليبيا لمستنقع من الفساد من كل حدب وصوب مالي وادراي وامني، فهناك من يدعم المليشيات المسلحة حتي لا تكون هناك قائمة لدولة مستقرة، وهناك من يدعم الجماعات المتطرفة لنشر الرعب واستمرار حالة الفوضى وعدم الاستقرار وهناك من يستلب النفط الليبي، وهناك أيضا من يدعم اشتعال حدة الصراع السياسي في البلاد بغية تفتيتها وتقسيمها فلا تبقي هناك دولة ليبية مستقرة تحت قيادة رشيدة يمكنها ان تحتكم لكل أشكال أدوات القانون الدولي لاستعادة أرصدتها المجمدة في بنوك الغرب.
 
عفن الفساد الدولي
فما ان تخلص الغرب من الرئيس الراحل معمر القذافي بلعبة فرنسية قذرة دفع الشعب الليبي ثمنا باهظا فيها، فان الغرب سرعان ما تنصل وعوده بمساعدة ليبيا ماليا وسياسيا، بل انه تنصل وعوده في إعادة الأرصدة المالية الكبرى المودعة لديه ليستفيد منها الشعب الليبي ويعيد بناء دولته، علما بأن هذه الأرصدة كفيلة بأن تجعل من الشعب الليبي من أغني شعوب المنطقة، خاصة وان التقديرات الدولية تشير إلى أن إجمالي الأموال والأصول الليبية بالخارج يتراوح بين 350 – 500 مليار، منها 170 على شكل استثمارات في البنوك الغربية.

عفن الفساد في الغرب كشف عن وجهه القبيح في أعلي مراحله في التجربة الليبية، لكنه فضح فضيحة يندي لها الجبين الإنساني، خاصة وانها فضيحة دمرت وطن وشعب في اجياله المتعاقبة، فسرقة أموال هذا الشعب العربي المنكوب من جانب فرنسا، قد أغرت باقي الدول الغربية بإمكانية سرقة ودائعه وأرصدته الثابتة وفوائدها الضخمة.

فوفقا لما كشف عنه الصحفي الأرجنتيني إدواردو فيبو  في مقاله المعنون ب 'كنوز القذافي التي سرقها الغرب'  فان الوعود التي قدمتها الدول الغربية للشعب الليبي في إحلال الديمقراطية في ربوع البلاد حال التخلص من نظام القذافي، لكن تلك الوعود ذهبت مع الريح، حتى تلك التي تتعلق بإعادة الأرصدة المالية الضخمة التي زعمت بأن عائلة القذافي تحتفظ بها في بنوك الغرب'.

وقد فضح  'فيبو' كلا من الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون  بتصدرهما ـ  بوصفه حسبما قال ـ الجوقة التي هيأت الظروف السياسية، عبر قرارات استصدرت من مجلس الأمن للتدخل العسكري في ليبيا والقضاء على النظام الذي كان يتباهي بمعاداته للغرب، رغم إقامته علاقات وثيقة مع العديد من قادة الدول الغربية وعلى رأسهم ساركوزي ذاته.

ووفقا لهذا المقال ذاته، فان 27 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إضافة إلى كندا والولايات المتحدة وسويسرا وأستراليا قامت بتجميد الأصول الليبية طبقا لقراري مجلس الأمن 1970 – 1973، إلا أنها بعد سقوط نظام القذافي لم تف بوعودها في إعادة الأموال المجمدة لأصحابها.
 
مأزق فرنسا
الفضيحة وتهمة الفساد التي تلاحق الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي باتت ملأ السمع والبصر، وكما يقال في الأثر الشعبي ' كل علي عينك يا تاجر '  خاصة وان الشهادات الصادرة في هذه القضية قد تابعها الملايين من البشر شرقا وغربا عبر المواقع الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها  ومنها شهادة رجل الأعمال اللبناني من أصل فرنسي، زياد تقي الدين، الذي أكد علي لقائه مع الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي لتسليمه الأموال من ليبيا المخصصة لتمويل حملته الانتخابية عام 2007.

ولا يمكن لعاقل ان تقبل فرنسا بأن تهتز سمعتها الدولية ويوجه قضائها الاتهام إلى الرئيس نيكولا ساركوزي بتهمة التمويل الليبي لحملته الانتخابية بمعزل عن وجود براهين علي فساده الأخلاقي والمالي، فلماذا تضر دولة بمكانة فرنسا بسمعتها الدولية وتضع ساركوزي تحت المراقبة القضائية الا اذا كانت هذه الاتهامات مؤكدة.

فبعد سبع سنوات علي جريمة تضييع ليبيا خرجت عائلة القذافى و كبار رجال دولته  ليوجهوا الاتهامات المباشرة لساركوزى بتلقى أموال من القذافى  ليصبح رئيسا لفرنسا بأموال الليبيين و أنه خطط لضرب ليبيا لإخفاء هذه الجريمة.
ناهيك عن وثيقة صدرت عام 2012، عن المحفظة الإفريقية الاستثمارية موقعة من قبل رئيس الاستخبارات الليبي السابق، موسى كوسا، تؤكد تمويل حملة ساركوزي بمبلغ تصل قيمته إلى 50 مليون يورو.

فقد أعلن سيف الإسلام القذافي، نجل الرئيس الليبي الراحل، إنه يمتلك العديد من الأدلة والشهود علي تلقي ساركوزي هذه الاموال أبرزهم عبد الله السنوسي، المدير السابق للاستخبارات الليبية، وبشير صالح بشير، المدير السابق لشركة ليبيا للاستثمار.

وقال إن ليبيا ساعدت ساركوزي حتى يصبح رئيسا، بهدف مساعدة الشعب الليبي ولكنه خيب آمال الليبيين، واصفا ساركوزي بمجرم حرب، وحمله المسئولية عن انتشار الإرهاب والهجرة غير القانونية في ليبيا.

والحقيقة انني أتفق مع وصف سيف الإسلام لساركوزي، فعندما نرصد الواقع الليبي المرير طوال هذه السنوات لنجد ان هذه الوصف لساركوزي كمسئول عن ضياع ليبيا أمر حقيقي، وانه لو توجد عدالة دولية لحوكم ساركوزي بصفته مجرم حرب!

فساركوزي بحسب تصريح ل مصطفى الدرسي وزير الصناعة الليبي السابق كان السبب وراء 'تدمير ليبيا' لعدم انصياع القذافي لمطالب بشراء أسلحة فرنسية.

تتأكد هذه الفضيحة الفرنسية أيضا بتصريحات أحمد قذاف الدم، بان بلاده دعمت الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي لضمان بقائه حليفا استراتيجيا، موضحا ان القذافي  كان يسعى لتأسيس ما يسمى بالولايات المتحدة الأفريقية، لذلك كان لا بد أن يكون لنا صديق مقرب فى الإليزيه من أجل هذه القضية الهامة والاستراتيجية.

وفي تقديري، فان الاتهامات الموجهة لساركوزي بوصوله علي رأس السلطة الفرنسية بأموال الليبيين تبدو صغيرة جدا قياسا علي جرائمه البشعة بحق الشعب الليبي  فقد استباح ساركوزي دم الشعب الليبي الطاهر وقتله بدم بارد مستخدما أسلحة محرمة دوليا وتسبب في ازهاق أرواح الاف الأبرياء من أبنائه الطاهرة، وتسبب لاحقا في تحويل ليبيا الي قبلة للإرهاب والفوضي .
 
تواطؤ دولي
المشهد الليبي الفوضوي اليومي الراهن والمستمر منذ سقوط  القذافي يعكس حقيقة ان التدخل العسكري الاروبي في ليبيا كان مبيتا من أجل وضع اليد علي مصاف النفط الليبي، وقد برهنت السنوات الماضية علي هذه الحقيقة بتحويل شرق ليبيا لمستنقع للإرهابيين، وتوظيفها الي ساحة لتهريب السلاح  ونشر الفوضى العارمة امنيا وسياسا في ربوعها.

وبرغم ان بريطانيا لم تكن بمعزل مخططات الإفادة من النفط الليبي، لكنها علي ما يبدو لم تكن تتخيل ان تصل الأوضاع فيها الي اللا دولة، فقد صدر تقرير برلماني بريطاني قبل عامين  أدان  فيه تدخل بريطانيا وفرنسا عسكريا للإطاحة بمعمر القذافي عام 2011، وأوضح التقرير أن التدخل العسكري البريطاني لم يستند لمعلومات استخباراتية دقيقة.

وهنا ينجلي حقيقة كيف جرت فرنسا حليفتها التاريخية إلى المستنقع الليبي الذي صنعته فرنسا بأطماعها النفطية والمالية في ليبيا، لكنهم يبقون الشراكة والمصالح غرب يتنقدون اليوم ويتحالفون غدا عند تقسيم الغنائم علي جسد الشعب المغلوب علي امره.
 
مطامع متجددة
وقد برزت مطامع الدول الغربية في الأموال الليبية عبر الترويج لفكرة أن تلك الأموال هي أموال القذافي، ومن ثم يمكن التلاعب بها ومصادرتها او استغلالها تحت اية ذريعة سياسية او امنية كما اعتاد الغرب ان يفصل الجرائم ويحيكها بدراما محكمة كما أحبك من قبل دراما امتلاك العراق للسلاح الكيماوي ليكون ذريعة لتدميره وتفتيته والاستيلاء علي ثروته النفطية، فان هذه الأموال المجمدة بالخارج قد أثبتت جميع التحريات أن جميعها مسجل باسم الدولة الليبية.

 ففي عام 2011، كانت ليبيا وفق محافظ المركزي الليبي المنشق عن نظام القذافي فرحات بن قدارة، قد أكد ان بلاده غير مدينة لأية دولة أجنبية، بينما كانت الأصول الليبية المقومة بالنقد الأجنبي تبلغ قيمتها 168.425 مليار دولارا.

وحسب تقرير لجنة مجلس الأمن الدولي، فان فريق الخبراء المعني بليبيا المنشأ عملا بالقرار 1973'2011'، قد تأكد إثر المشاورات التي أجراها مع عدد من الدول الأعضاء، ومديري الأموال، والموظفين السابقين في المؤسسة الليبية للاستثمار ورئيسها التنفيذي الحالي من أن مبلغ 67 بليون دولار يمثل مجموع أصول المؤسسة، بما في ذلك أصول الشركات التابعة لها، ويقر رئيس مجلس إدارة المؤسسة بأن هذا المبلغ جرى تقييمه في عام 2012، وأنه من الصعب تقييمه في الحالة الراهنة، وفي الواقع كان الفريق قد أفاد بأن مجموع الأصول كان يبلغ 56 بليون دولار في عام 2010.

الليبيون الشرفاء والخبراء بالشأن الاقتصادي الوطني يبدون مخاوف جمة من إمكانية الاستيلاء علي الأرصدة الليبية بالخارج  في ظل ما يرصدونه من تهديدات حقيقية قد تضييع هذه الأموال، ومن هذه التهديدات اعداد الدول الحاضنة لهذه الأموال الليبية من الإجراءات لاستخدامها واستغلالها في شكل تعويضات.

ولعله مما يبرهن علي صحة هذه المخاوف والتهديدات، ما أعلنه المبعوث الأممي غسان سلامة عن أن لجنة العقوبات تصرفت سابقاً في أجزاء من هذه الأموال دون علم الدولة الليبية وأن هناك مطامع في الاستيلاء عليها.

وتأكيدا لهذه التهديدات أيضا بمستقبل هذه الأموال فقد تناقلت وسائل الاعلام مؤخرا أنباءا عن ضياع أكثر من 10 مليار يورو من أرصدة ليبية مجمّدة تابعة للأذرع الاستثمارية الوطنية مقرها بلجيكا - العاصمة السياسية للاتحاد الأوروبي، وتحويل وجهتها إلى حسابات غير معروفة عبر شبكة من المصارف الدولية في الغرب والخليج وهذا يعني بما لايدع مجالا للشك بأن الثروة المالية الليبية تتعرض لأكبر عملية سطو دولية يصعب كشف لصوصها واثبات جرائمهم.

يبدو المجتمع الدولي ومن يسيطر علي صنع القرار من أساطين الساسة وكبار الاقتصاديين متواطئين في هذه الجريمة، الا بماذا نفسر ضبابية معايير الإفراج الجزئي عن بعض هذه، وما هو سر غموض الشروط والتعتيم عن الأطراف المطالبة بالإفراج عن الأموال  خلال حكومات عديدة في ليبيا؟، ولماذا تتعمّد أطراف النزاع بالداخل شراء الولاءات ونقل الأموال بين الحسابات السرية والتمويهية دون شفافية أو رقابة دولية؟

في تقديري، ان ترك ملف الازمة الليبية مشتعلا دون إيجاد مخرج عملي له يحقق له الامن والاستقرار، يبدو جليا اليوم  بأنه عملا مقصودا، فالدول الاوربية مستفيدة من إبقاء لأموال الليبية في مصارفها، وتبدو وكأنها تخطط للسطو عليها بطرق ملتوية، ولذلك لم يهتم الغرب بتسوية القضية الليبية وترك الغرب علي الغارب لكي تتحول ليبيا الي موطن للاجرام عبر التهريب والاتجار بالبشر ونشر الفوضى مستفيدة  في ذلك من استمرار اتون صراع واقتتال داخلي تحقق من خلاله مكاسب من مبيعات السلاح للأطراف المتنازعة.

ولاشك ان هناك عناصر ليبية في الداخل تسهم في نجاح المؤامرة الغربية علي ليبيا وسلب أموالها، مما يجعل الوطن الليبي نهبا للأطماع بالداخل والخارج معا  في مافيا لم يعرف التاريخ البشري لها مثيل.

 
مطلوب موقف عربي
في تقديري ان المجموعة العربية في مجلس الامن لابد وان تطرح خطة عملية علي مجلس الأمن من شأنها اتخاذ إجراءات قانونية تمنع أية دولة لديها أرصدة ليبية أو استثمارات من مصادرتها أو استغلالها دون تحقيق عوائد على هذه الأموال، والسماح بإدارتها وتعزيز حمايتها ومنع التصرف فيها من دون موافقة الدولة الليبية.