الأحد، 5 مايو 2019

الزرادشتية تبقي رمزا فلسفيا للحب والرحمة والاخلاق

 جاء خير البرية والمرسلين سيدنا محمد صل الله عليه وسلم ليتمم مكارم الاخلاق التي جاء بها الانبياء والرسل، فالاديان السماوية الثلاث كلها كما ركزت على الدعوة الى توحيد الخالق العظيم لكنها ركزت أيضا على مكارم الاخلاق لان الحياة لا تستقيم بدون قيم العدل والرحمة والتعاون ونشر السلام والعطف على المسكين والضعيف وغيرها.

والمعروف ان كل نبي ورسول قد بعث لقومه فقط، ماعدا سيد الخلق محمد بن عبد الله الذي أرسله الله رحمة للعالمين من انس وجن وشجر وحيوان وغيره، وهناك ما نعرفه من الرسل كما جاء ذكرهم في القرآن الكريم، وأنبياء ورسل  لم نعرف عنهم شيئا  كما ذكر الله تعالى في محكم كتابه بسورة النساء الآيات /163-164: ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا . وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ).
فهذه الاديان السماوية التي جاء بها الانبياء والرسل بوحي من السماء، لكن هناك أديان أرضية منتشرة في الكرة الارضية يعتنقها الكثير من الاتباع والمريدين ولها قيمها الاخلاقية والانسانية الرفيعة كالأديان الهندية والصينية قائمة على تعاليم مؤسسيها، ولا تدعي اتباع الوحي المباشر، وترجع البوذية إلى سدارتا غوتاما، والجينية إلى مهافيرا، والسيحية إلى غورو ناناك، والكونفوشية إلى كونفوشياس، والطائية إلى لاو تْسي.
ولكن هناك أديان موغلة في القدم توحد الخالق دون ان تحسب على انها سماوية، مثل الزردشتية التي يرى أتباعها ان مؤسسها صاحب وحي ونبي  بينما  يري فقهاء الدين الاسلامي والباحثين في علوم الاديان في بريطانيا انها مجوسية تعبد النار إلها، وهو ما يذهب  معظم فقهاء الاسلام مثل ابن الجوزي ومن ثم فهي باطلة، غير ان بعض العلماء يذهب للاعتقاد بأن مؤسس الزرداشتية نبي، كلشهرستاني، ومنهم من يري أن مؤسسها نبي مرسل ثم بمرور الزمن طرأت عليها تغييرات كمصطفى حلمي.
بينما يؤكد اتباع الديانة الزرادشتية انهم يعبدون الاها واحدا وانهم لا يعبدون النار وانما يتوجهون اليها باعتبارها رمزا تطهيريا كما يقبل المسلمون الحجر الاسود في مكة.
وما يثير دهشة المتأمل في الاديان يجد تشابها بين الزرادشتية والإسلام فيما يخص اقامة الصلاة خمسة مرات في اليوم، ومن حيث صيام شهر واحد في السنة ومن حيث ايضا وجود اسراء ومعراج. وهذا التشابه قد حير كثيرا من الباحثين المتخصصين، ولاشك ايضا انه يحيرني ويحير كل ذي عقل.
 
الوحدانية التثنوية
تعد الزّرادشتية كما تذكر المصادر التاريخية والباحثون المتخصصون، ديانة فارسية آرية قديمة، تنسب الى (سبيتاما زرادشت) وتقدس الحق والصدق، وتتركز على الاله الواحد المطلق، الذي يخلق إلهين، يختار أحدهما الخير والنور واسمه أهورامزدا ويختار الثاني الشرّ والظلام واسمه أهريمان.
 ولهذا تسمى هذه الديانة بالوحدانية الثنوية التي تعكس الصراع الازلي والدائم لإلهي الخير والشر حتي ينتصر إله الخير على إله الشر، ويختفي الشرّ من العالم بحسب التعاليم الزرادشتية.
 
اول دين توحيدي
كشف بحثٌ لمركز فيريل للدراسات في برلين بألمانيا حول مراجعة لتاريخ الأديان ومعلومات متاحف الآثار في ألمانيا، عام 2016 عن  ان “الزرادشتية هي أول ديانة توحيدية في العالم”. والتي نُسبت إلى مؤسسها زرادشت Zarathustra، وهو فيلسوف عاش في إيران وتنقل بين جنوب القوقاز وبلاد فارس والعراق، ناشراً تعاليمهُ التي مازال لها أتباع حتى الآن في إيران والعراق والهند والباكستان، وقد ظهرت ديانة التوحيد حوالي 1560 قبل الميلاد، أي قبل أكثر من 3500 عام، بسّط زرادشت التشاركية الإلهية الثنائية التي كانت سائدة قبلهُ: “سبتامينو” إله الخير، وأنكرامينو”: إله الشرّ، فجمعها بإله واحد هو “أهورا مزدا” أي الحكمة المُنيرة، لهذا كان النور أهم رموز دينه والتي ترمز له الشمس، وليس عبادتها أو عبادة النار كما يُشاع عن الزرادشتية، فهم يعتبرون النار والماء أدوات من طقوس الطهارة الروحية.
وتؤكد الدراسة ان  الديانات التوحيدية التي جاءت لاحقاً قد تأثرت الزرادشتية، وكان اليهود أولهم وقد تعلموها بعد سبي بابل، لكن بالمقابل؛ تأثرت الديانة الزرادشتية بالفلسفة الدينية البابلية والسومرية التي سبقتها.
 
الحكمة والنبوة
يعد زاردشت "  فيلسوفا حكيما جمع بين حاجات الانسان للحياة وفق قواعد اخلاقية اصلاحية وأخرى دينية اخروية، فمن لم يعتقد بنبوته، لا يختلف علي حكمته وفلسفته العميقة وهي فلسفة تنطلق من فكرة التوحيد الالهي رمزا للرحمة والخير وتتواصل في معترك الحياة بقيم اخلاقية وروحية رفيعة وهو يتجسد في الفضائل السبع التي يؤمن الزرادشتيون وهي الحكمة، العفة، الإخلاص، الكرم، الشجاعة، العمل والأمانة وتأتي من سبتامينو أو القوة المقدسة، وهي الإدراك أو الأنا العليا بمفهوم علم النفس.  بينما تأتي الرذائل السبع وهي: الخيانة، الجبن، البخل، الظلم، إزهاق الأرواح، النفاق، والخداع، وتأتي من أنكرة مينوا أو القوة الخبيثة، وهي عدم الإدراك، ويحتدم الصراع بين القوتين داخل كل إنسان، حتى تنتصر قوة الخير، فيصل إلى قمة الصفاء.
ولاغرابة ان نجد زرادشت يحظى باحترام فائق لدى الحضارات المختلفة، بل أن تعاليمه ـ كما يذهب الدراسون المختصون ـ قد اثرت علىز الديانات السماوية التي لحقت به ، فقد عرف زرادوشت في العالم القديم بوصفه رجل الحكمة والمعرفة، واعجب به الفلاسفة الإغريق ولا يزال بعض الفلاسفة والمفكرين يحترمونه كرجل حكيم  قدم خدمات معرفية واخلاقية للانسانية ، وقد استوحى أفرادٌ مختلفون مثل فولتير ونيتشه وفريدي ميركوري، من الديانة الزرادشتية.
وعرف زرادشت بالكرم ومحبة الاهل والبشرية والانشغال في نشاطات اخلاقية واجتماعية، كما عرف بإنعزاله الكثير عن عائلته وعن الناس للتأمل في الله والكون والحياة وفي معاناة الانسانية حتى تصفو روحه وتشرق نفسه.
قضى زرادشت حياته في نشر رسالته والعمل على تعليم شعبه التعاليم الأخلاقية بحسب الكتاب الموحى اليه من قبل أهورامازدا(آفيستا)، والذي نزل عليه بلغة بيّنة قريبة الى عامة الناس. ولم تنته حياته إلا وقد دخل في دينه الغالبية المطلقة من شعوب الامبراطورية الفارسية والشعوب المجاورة لها. ويُقال أنه مات قتيلاً في بيت من بيوت النار في(بلخ) حوالي سنة 583 ق. م، عن عمر ناهز السابعة والسبعين، عندما أغار عليه الطورانيون أعداء الفرس.
 
اعتقادات الزرادشتية
يَعتقد الزرادشتيون بوجود إله الخير هو “أهورا مزدا”، و هو إله النور، وبوجود مصدر للشر الدائم هو “أهرمان” أي القوى الخبيثة الشريرة “إله الظلام”.
تؤمن الزرادشتية بأن الله واحد، وهم يعبدونه وحده، وأهرمان ليس إله، لهذا لا يعبدونه، كما أشاع عنهم أعداؤهم، بل يتحاشونه لأنه مصدر للوساوس الشريرة. وحسب ترنيمات Avesta وهو الكتاب المقدس للزرادشتية: “أدركُ أنك أنتَ وحدَكَ الإله الواحد الأحد الأوحد، الخيّرُ القدوس الحق المنير العادل المُعطي الأكبر المُخلّص الحكيم…”.
الروح في الزرادشتية موجودة دائماً والجسد هو الفاني، هذه الروح تبقي  بعد الموت  في منطقة بين الجنة والنار بانتظار يوم الحساب، كما يؤمنون بالصراط المستقيم وميزان الأعمال.
الله الواحد له ملائكة ومساعدين وعددهم ستة اسمهم أميشا سبنتاس أي المخلدون المقدسون ، كما يؤمنون بوجود: الملائكة الحرّاس لكل رجل وامرأة وطفل، تحميهم وترشدهم إلى الخير وعمل الفضيلة، وهناك سبعة شياطين تدعى “ديو”، توسوس بارتكاب الآثام والمعاصي، وتحوم حول الإنسان.
أخذت الديانة الزرادشتية معتقداتها عن الحضارة السومرية ثم البابلية، وهو ما يظهر في لوح سومري في جزيرة المتاحف ببرلين Berliner Museumsinsel، ترجمة لقصة الأنوناكي وهي الكائنات الفضائية التي هبطت على الأرض من كوكب نبيرو، الزرادشتيون استبدلوا الاسم بالكوكب “بيرو” وهو بداية الصيام عندهم. ثم أخذوا الـ 400 ألف سنة التي استوطن فيها الأنوناكي على الأرض، فاعتبروا السنة بألف، وكل سنة بمثقال ذرّة.”. لتأتي في اللوح السومري ذكر وادي النمور وهو جنّة عدن، وقصّة آدم وحوّاء اللذين وضعا ماءهما في جرّتين وانتظرا تسعة أشهر… بعد الزرادشتين تأثّرت كافة الديانات، دون استثناء، بقصة السومريين كالطوفان والجنة والنار.
 
تجليات التوحيد في الغاثا
يتجلي التوحيد في أناشيد الغاثا لزرادشت، كما يبرز خلق الكون عبر هذه الاناشيد، حيث انه بعد ان يخلق أهورامزدا عالم الملائكة وعالم الشياطين، فإنه يخلق سبع سموات ويزيّنها بالشمس والقمر والكواكب والنجوم ويجعل من السماء السابعة عرشا له ويجعل غلافها درعا وسياجا للكون، ثم يخلق البحار والرياح الممطرة لكي لا تجف البحار، ثم يخلق الارض في كبد السماء، ثم النباتات والاشجار، فالحيوانات، فالانسان الاول(جيومرث).
والغاثا، هي مجموعة من الأغاني والترانيم التي تعتبر مركزية في الابستاق (أو الافيستا)، الكتاب المقدس في الزرادشتية، وتستمد نصوص الابستاق الباقية من نسخةٍ رئيسية واحدة دوّنت أثناء الإمبراطورية الساسانية (224-651 م).
من أناشيد الغاثا لزرادشت:
من هو منذ قديم الزمان؟....
من رسم المسار للشمس والقمر؟ ...
من أمسك الأرض ورفع السماء فلا تقع؟...
من أنبت الزرع وصنع المطر؟...
من خلق الأفكار الخيّرة؟....
من سخر الليل والصباح والظهيرة تذكرة للناس؟
من سخر البقر والانعام لرخاء الناس؟
من علم الناس الإحترام للوالدين؟...
من غير العقل الطيب،
ومن هو خالق كل شىء حسن وخيّر في الكون؟.
ويستريح أهورامزدا لمدة خمسة أيام بعد خلقه للكون ومن هنا يحتفل الزرادشتيين بهذه الايام الخمسة كل سنة ويسمونها (كهنبار) وهي في الحقيقة أيام زائدة في السنة الفارسية.
 
بين التشابه والاختلاف
ما تحمله الزرادشتية من قيم دينية واخلاقية، وتشابه في مواطن عديدة مع الدين الاسلامي اثار ويثير جدلا كبيرا بين المهتمين بالاديان والمثقفين بصفة عامة، وبينما يرى معظم فقهاء  المسلمين ان الزرادشتية ديانة شركية مجوسية تعبد النار، فان رجال الدين الزرادشتي ينفون ذلك مؤكدين ان دينهم توحيدي، فهم كما يقولون نحن نعبد إله واحد لا غير هو إله الخير أهورامازدا ونصلي له خمسة مرات يوميا لكننا نعبده من خلال توجهنا لهذه النار لأننا نعتقد أنها ترمز إلى النور الإلهي ومادمنا بحاجة إلى رمز في دنيانا فنحن نقدس هذه النار ونجتمع حولها ونعتبرها قبلة لنا.
وهناك من العلماء من يرى ان زرداشت  نبي بدين سماوي تم تحريفه، استنادا الى ان الاسكندر حرق كتب الزرادشتيين في القرن السابع الميلادي وتبقى فقط أربعة اجزاء يمثلهم كتاب " افستا " الكتاب المقدس للزرادشتين.
فهناك تشابه كبير في اسماء الله الحسنى الورادة بالزرادشتية والورادة بالاحاديث النبوية، كذلك فكرة المسيح الدجال و خروج المهدي المذكورة في الأحاديث النبوية تتشابه مع الزرادشتية غير ان معظم فقهاء المسلمين يذهبون الى انه دين وثني استنادا الى انه يشترط في توحيده على الايمان بنبوة زرادشت ولا نبي بعده، كما ان القرآن الكريم لم يذكر شيئا عن نبوة زرادشت، كما ان سيدنا محمد لم يذكر اي شئ عن زرادشت بوصفه نبيا، ويرجحون ان التشابه بين الزرادشتية والاسلام قد يكون مرجعها الى الاسرائيليات، مشيرين الى ان وجود بعض ما يوافق الإسلام في الزرادشتية، لا يدعم فكرة ان يكون صاحبها نبيا، فالاستناد الى نص الآية الكريمة (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) ودلالاتها على وجود رسل سابقين لا نعلمهم لا يلزم معه أن نفتح باب احتمال نبوة كل صاحب ديانة اشتملت معتقداته على شيء مما جاء به الإسلام.
فالزرادشتية لدى المسلمين ليسوا أهل كتاب، والجزية قد أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم من المجوس، وهم عباد النار لا فرق بينهم وبين عبدة الأوثان، ولا يصح أنهم من أهل الكتاب، ولا كان لهم كتاب برأي علماء المسلمين .
 
ماذا بقي من الزرادشتية
مهما اختلف اصحاب الاديان بشان صحة المعتقد الديني لدى زرادشت، فلا أحد يستطيع انكار حقيقة انها تملك مقومات بقائها كفلسفة اخلاقية عظيمة بما تتضمنه من تعاليم لنشر المحبة والرحمة والسلام  التسامح والتشجيع على العلم واستعمال العقل والمنطق والقناعة والتفكير بالحياة ومصير الانسان والجنة والنار.
وقد تقلص اتباع الزرداشتية في العالم، فلا يتجاوزن 300,000 الف تابع في العالم بحسب تقديرات الأمم المتحدة ومنهم 100,000 ألف تابع يعيشون في الهند و50,000 تابع في(كراتشي) باكستان و25,000 تابع في امريكا وكندا. والباقي يعيشون في جمهورية ايران الاسلامية، إذ بقي أقل من 100,000 تابع في عموم ايران. وتعترف الحكومة الاسلامية في ايران بديانتهم رسميّا ولهم عضو في البرلمان الايراني.
تعاني الزرادشتية اليوم من مشكلة تناقص عدد أتباعها لأنها لا تقبل الإهتداءات الجديدة ولا الزواجات المختلطة وعلى المُنتمي إليها أن يكون من الجنس الفارسي، فلكي تكون زردشتيا جيّدا فيجب أن تكون فارسيا جيدا، ولا يمكن ايضا الزواج من خارج الديانة بالنسبة للجنسين. وهو ما يجعلها تبدو وكأنها ديانة قوميّة  تفقد بريقها الروحي القديم.