الثلاثاء، 19 فبراير 2019

الامثال الشعبية ميراث انساني مشترك يختزل خبرات الحياة

 حقا اننا نعيش معطيات  مجتمع ما بعد الحداثة عبر فضاء تكنولوجي واسع الافاق وثورة اتصالات غيرت كثير من المفاهيم الاجتماعية والثقافية وجمعت بين ثقافات الشرق والغرب في لحظة كونية ممتدة عبر الاثير، فبضغطت زر واحدة على هاتفك المحمول قد تتواصل مع العديد من الاشخاص في العالم ومن مختلف الثقافات لكي تتبادل الرؤى وكل ماهو مشترك انساني.

ورغم هذه الحقيقة، فان ذواتنا الحضارية والمخزون الثقافي لكل واحد منا قد يطل برأسه في هذه اللقاءات الالكترونية، فالانسان عبارة عن مخزن للمعارف والعلوم والثقافة المتوراثة خاصة الثقافة الشعبية وعلى رأسها الامثال الشعبية التي نتشربها من أهالينا ومن مجتمعنا كما نشرب كأس الحليب كل صباح، خاصة وانها وسيلة لتعليم دروس فن الحياة بشكل حكيم وايضا مرح، وكما تتنازع مضامين الامثال بين الحث على الفضيلة ونبذ الرذيلة، فانها تسخدم اساليب متنوعة بين الجد والسخرية لتوصيل هذه المضامين لمتلقيها.
ولاغرابة ان نجدنا مصبوغين ومختومين بختم الامثال الشعبية لانها ببساطة تجري منا مجرى الدم في العروق عبر تداولها عبر الاجيال والحقب الزمنية باعتبارها مرآة تعكس عاداتنا وتقاليدنا وافكارنا وقيمنا الاخلاقية والدينية ورؤانا الاقتصادية والسياسية والفكرية والفنية، على ذلك يمكن اعتبار المثل فلسفة شعبية لمنظومة حياتنا.  
فالأمثال الشعبية تمثل خلاصة خبرات الشعوب وحضاراتها وثقافتها ومنجزات عقلها الجمعي قديما وحديثا ايضا بما تحتويه من حكمة الايام والخبرات الانسانية طوال عقود، ولعل ما يبقيها على قيد الحياة هو ما تملكه من خصائص فنيه كالايجاز والايقاع الموسيقي مما يسهل حفظها وتناقلها، ولذلك قال ابن المقفع: "إذا جعل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق وآنق للسمع وأوسع لشعوب".
 
المثل لغة واصطلاحا
المثل  في اللغة هو النظير والشبيه، كما تقول شَبهه، وشِبهه. واصطلاحا، فان  الأمثال هي العبارة الفنية السائرة الموجزة التي تضاع لتصوير موقفا أو حادثة ولتستخلص خبرة إنسانية يمكن استعادتها في حلة أخرى مشابهة لها مثل:" رب ساع لقاعد" و " ورجع بخفي حنين" و"الكلام لك واسمعي يا جارة".
كما يعرف المثل بأنه جملة قيلت في مناسبة خاصة، ثم صارت - لما فيها من حكمة - تذكر في كل مناسبة مشابهة، ويشترط  فيها الإيجاز وحسن التشبيه وإصابة المعنى وحسن الكناية.
وتنطلق الامثال الشعبية  من بيئة وفكر الجماعة الانسانية في اي مجتمع من المجتمعات البشرية لتعكس ببساطة موجزة وموحية نظرتهم للحياة، وهي نظرة مستقاة من واقع خبرتهم بها ومعايشتهم لها كواقع يومي مجرب مما يضفي عليها طابع الحكمة والديمومة، ولان خبرات الناس تنبع من واقع حياتهم وبيئاتهم، فان امثالهم تعكس طبيعة هذه البيئات المتنوعة، فأبناء البيئة الساحلية تصطبغ بصبغة بحياة البحر من مد وجزر وصيد وسفن وامواج عتية وسماء صافية ومعاني الاغتراب خلال رحلة البحث عن الرزق.
وتعكس الامثال الشعبية المستقاة من البيئة الزراعية قيم الاستقرار والتعاون ومن ثم التفاؤل بالمستقبل حينما يأتي وقت الحصاد بالخير الوفير "من زرع حصد "، بينما تعبر الامثال الصادرة عن البيئة الصحراوية قيم ومعاني الترحال بحثا عن العشب والماء وما يستتبعه من حاجة ملحة للصبر والتحمل.
 
خصوصية المثل
يتمتع المثل الشعبي  بالعفوية عبر استخدام لغة العامة السنة العامة وينفرد بابتعاده عن الرقابة وعدم معرفة قائله، كما ان ينطلق من تجربة وقصةانسانية فردية لكن مع تكرارها مع افراد أخرين يحولها لتجربة جمعية يشترك الكثير من الناس في معايشتها بحلوها ومرها مما يضفي عليها طابع انساني مشترك مثل "الحب اعمي".
ويستسيغ الناس المثل بكل سهولة لما يحتويه من بلاغة نافذة عبر عنها أبو اسحق النظام بقوله: " يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكتابة، فهو نهاية البلاغة.
 
الحكمة والمثل
تتشابه المثل والحكمة في كثير من الاحيان بسبب التقائهما في السرد والايجاز والسهولة والخبرة الانسانية، ومع ذلك فانهما يختلفان في الهدف والمصدر كما يقول الباحثون المتخصصون.
فالحكمة تعبر عن تجربة خاصّة يولّدها العقل بعد تحليلها؛ ليصل بعدد التحليل لحكمة يستفيد بها في حياته ويفيد غيره من خبرته، وقد عبر الخالق العظيم عن الحكمة بقوله تعالى "ومن اوتي الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا" فالحكمة ليست متاحة لأي شخص الا اذا كان عقلانيا حكيما. وقد عرفت الانسانية الكثير من الحكماء والحكم ومن امثلتها حكمة صينية لا انساها ما حييت وهي " من يعرف اكثر يغفر أكثر "، وفي عالمنا العربي جرت الحكمة مصبوغة بالشعر كما في أبيات المتنبّي: "إذا غامرت في شرفٍ مروم فلا تقنع بما دون النّجومِ.. فطعم الموت في أمرٍ حقير كطعم الموت في أمرٍ عظيم.
أما المثل فيكون نتاج لموقفٍ لحظيّ يُقال فيه قولاً فيصبح مثلاً، ولكنه قد يتقارب مع الحكمة إذا نتج عن تجربة مثل " لكل حيٍّ أجل، بعضُ الحُلُمِ ذلُ، يد واحدة لا تحمل بطّيختين، لن يصغي إليك أحدٌ حتّى تقول شيئاً خاطئاً ".
 
التقاءالامثال عالميا
من متابعتي لبعض الامثال العالمية وجدت ان الكثير منها يتشابه في  مضمونه وخبراته الانسانية بالامثال العربية، وهو ما يؤكد حقيقة ان الخبرة الانسانية المشتركة تتواصل بين الشعوب وتتجاوز حواجز المكان. وهناك الكثير من الامثال التي خرجت من البيئات الشرقية والغربية لكنها تعبر محتوى انساني  جلعها تنتشر في مكل مكان من ارض المعمورة، ومنها مجموعة الأمثال العالمية التي تدعو لاغتنام الفرصة مثل: (اطرق الحديد وهو ساخن)، و(اصنع كوخك والشمس ساطعة) وغيرها.
وكذلك تتشابك الامثال في المنطقة العربية، وتبعد عن القطرية بانتشارها الجغرافي في الميحط العربي كله مما يصبغ عليه صبغة انسانية مشتركة ومن ذلك العديد من الامثلة التي خرجت من البيئة الشعبية اللبنانية ولكنها عرفت طريقها لكل الشعوب العربية فصارت ملكا للجميع ومن ذلك: " آخر الطحين كركعة " ، "الحائط الواطيء كل واحد بيقفز عليه" ، و" ضربني وبكى وسبقني واشتكى " ، " اليد الواحدة لا تصفق... وغيرها.
ومن نماذج الامثلة الاجتماعية التي تعكس الخبرة البشرية المثل السويسري " من هز بيت جاره.. سقط بيته " وقد يقترب معها في المعنى المثل الشعبي العربي "اللي بيته من ازاز ما يحدفش الناس بالطوب " ، والمثل الايطالي " قناعتك نصف سعادتك " يلتقي في مضمونة بالمثل " القناعة كنز لا يفني ".
وكذلك المثل البولندي " فعل الخير مع ناكر الجميل مثل إلقاء ماء الورد في البحر" تقابلها بيت زهير بن أبي سلمى حكيم شعراء العرب " ومن يصنع المعروف في غيره اهله يكن حمده ذما عليه ويندم ".
اما المثل الفرنسي " إذا أردت أن تعرف رقي أمة فانظر إلى نسائها " يقابلها أمثولة الشاعر حافظ ابراهيم " الأم مدرسة ان أعددتها أعدت شعب طيب الاعراق"، والمثل الامريكي " كثيرا ما نرى الاشياء على غير حقيقتها لأننا نكتفي بقراءة العنوان"، والمثل الصيني " سلح عقلك بالعلم خير من أن تزين جسدك بالجواهر" ، والمثل الروسي أخطاء الاخرين دائما أكثر لمعانا من أخطائنا، والمثل الانجليزي " كل امرئ يصنع قدره بنفسه"، والاسباني "الإعجاب بالنفس وليد الجهل"، والايرلندي " اعط حبك لأمرأتك، وسرك لوالدتك "، والمثل الهندي "عامل ابنك كأمير طوال خمس سنوات، وكعبد خلال عشر سنين، وكصديق بعد ذلك"، والمثل التشيكوسلوفاكي " علمني أهلي الكلام، وعلمني الناس الصمت "، والمثل البرتغالي "على الذين يعطون أن لا يتحدثوا عن عطائهم، أما الذين يأخذون فليذكروا ذلك "، كل هذه الامثال تتقارب على اختلاف جغرافيتها وحضارتها من كل انسان على ارض البسيطة.   
 
امتزاج الأنا والاخر
علاقة الأنا  بالاخر في ثقافتنا الشعبية  تبدو في بعض الاحيان علاقة امتزاج او تكامل او تقارب في ثقافتنا الشعبية التي تجسدها الامثال بشكل واضح، ولذلك كانت هذه العلاقات المتشابكة محل العديد من الدراسات المتخصصة في هذا المجال ومنها دراسة للباحث  سيد إسماعيل  في كتابه "الآخر.. في الثقافة الشعبية"  لاحظ فيها أن الشعوب التي كانت تعيش ضمن الدولة العثمانية لديها قدر من الأمثال المشتركة أو المتشابهة، كما هو الأمر لدى الأتراك والعرب والأكراد والألبان، وذلك نتيجة  الحياة المشتركة بينهم التي امتدت 400-500 سنة، ضمن الدولة الواحدة والثقافة الواحدة (الإسلامية)، ويبدو في الأمثال أو الحكم المنسوبة إلى (نصر الدين خوجة) أو (جحا).
وقد وجد بين الأمثال الشعبية الفارسية والألبانية ما هو متطابق أيضا مع الأمثال الشعبية العربية مثل: (بيخاف من خياله) و(اللي بيطلع الحمار لفوق بينزله)... ومن الأمثال المتشابهة بين الأمثال الشعبية الفارسية والألبانية (النجاة في نهاية الفنجان) و(اللص الماهر يطفئ المصباح أولا).
وهناك أمثالا متشابهة في المعنى ومختلفة في التعبير مثل المثل الفارسي "أحرق لحيته بنفسه"، والمثل الألباني "ذهب الجدي بنفسه إلى القصاب"، والمثل الفارسي "الإنسان يحتاج إلى العقل لا إلى القوة"، والمثل الألباني " ماذا يفيدك المال والقطيع إذا ليس لديك عقل؟"،  والمثل الشعبي الفارسي" القرد لا يصلح للحفر على الخشب" يقابله في الألبانية " لا تدع الذئب يحمي الغنم"... وغيره.
وتم رصد التشابه والتطابق في الامثال العربية والالبانية  في أول كتاب جامع للفولكلور الألباني (النحلة الألبانية- 1878م) الذي وضعه الباحث والشاعر ثيمي ميتكو (1820-1890) ثم صدر لاحقا "أمواج البحر- 1908م"  للباحث والشاعر سبيرو دينه (1848-1922).
وفي هذين المصدرين، وجدت بعض الأمثال الشعبية العربية والألبانية المتطابقة أو المتشابهة مثل: " ما تزرع تحصد"، و"زلة القدم ولا زلة اللسان" ، " لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد "،  و" العمل يدل على الإنسان"، و" لقت الطنجرة غطاها"،  و"الصديق الصالح يدل على الطريق الصالح"، و" يرى الشعرة في عين غيره ولا يرى الحطبة في عينه"، وعكست مثل هذه الامثال  دلالات ثقافية واجتماعيةوسياسية.
 
ضرورة الفرز
ورغم أهمية الامثال في حياتنا باعتبارها خبرةانسانية ضرورية للتواصل والاندماج الاجتماعي، الا ان بعضها يعبر عن مضامين تبعث على التشاؤوم او الانهزامية لدى بعض الشعوب التي وقعت تحت براثن الاحتلال، واخرى يدعو للتكاسل ويقلل من شأن الطموح والتطلع، وهو ما يتطلب منا ان نكون اكثر وعيا عند تلقي الامثال ويكون لدينا القدرة على فرز الغث من السمين منها.
ومن النماذج السلبية لهذه الامثال: "  اللي يباوع لفوق يتعب" و" اللي يبص لفوق توجعه رقبته"،  و" رايح فين يا زعلوك بين الملوك". فهذه النماذج اطلقت من قبل فئة اجتماعية عليا تحاول الحفاظ علي مكتسباتها وسلطاتها من ان تحاول الطبقات الدينا التطلع اليها والحلم بها.
وهذه النماذج السلبية للامثال الشعبية لابد وان نفرزها ونتخطاها ونأخذ بما ينفعنا ويبث فينا الامل للمستقبل ويدفعنا للعمل والنجاح والسلام والتعاون والرحمة.