الخميس، 6 يونيو 2019

اوقوفوا هدر الطفولة بالاعلانات ومسابقات الرقص والغناء المبتذل

 ان اطفالنا هم اغلى ما فى الكون هم احلامنا ومستقبلنا ولا قيمة لرحلتنا في الحياة بدون رعايتهم وتعليمهم وتهذيبهم وحمايتهم من أية مخاطر، وتنمية قدراتهم و مواهبهم اضافة الى الوازع الاخلاقي لديهم ليساهموا في بناء مجتمع حضاري ومتسقر وآمن.


فلا آمان لأي مجتمع تهدر فيه الطفولة او تنتهك حرمته وقدسية وبراءته، لكن للأسف الشديد، فان اطفالنا صاروا نهبا لاشكال التجارة الرخيصة عبر استغلالهم بالاعلانات ومسابقات الجمال ومنافسات الرقص والغناء مما ينتهك طفولتهم صحيا ونفسيا ويعرضهم لمشكلات نفسية بنقلهم لعالم الكبار فجأة وبدون أية مقدمات مما يخل  بتوازنهم العاطفي ويؤثر على تحصيلهم العلمي، بل قد يعرضهم للخطف والابتزاز والاعتداء الاخلاقي بعد اكتسابهم  الشهرة.

واذا كانت مافيا التجارة العالمية قد لعبت في طعامنا وجعلته مسمم ومهرمن ومسرطن وسكتنا ، فاننا لا ينبغي لنا بأي حال السكوت على ضياع اطفالنا لانهم أغلى ما نملك من ذخيرة في هذه الحياة الدنيا.

وانني لادق ناقوس الخطر من استغلال الاطفال عبر فضاءات الاعلام المغرية والمدغدغة للعواطف والمستجلبة لشهوات المال والشهرة، حتى نفيق وننقذ صغارنا من هذا الشيطان الذي قد يفتك بما تبقى لنا من براءة في الحياة.

وكغيري ممن يتبنون رسالة حماية الطفولة في عالمنا العربي، أكبر خطيةـ من وجهة نظري ـ  هي استغلال الاطفال في الدراما والمسابقات الغنائية والرقص المعاصر.

حيث يذكر، أن إعلاميينا وصانعي الدراما في بلادنا يسيرون خلف الإعلام الغربي «حذو القذة بالقذة» فهناك أعمال درامية شهيرة يقوم ببطولتها أطفال تحت سن العاشرة، لاقت نجاحًا جماهيريًا في الغرب، فما كان من صناع السينما لدينا إلا أن دفعوا بالصغار أمام الكاميرات، ثم عقدوا لهم مسابقات الغناء والرقص، وكم شاهدنا هؤلاء الصغار وقد أصابتهم الصدمات والإحباط الشديد بعد إعلان خسارتهم أمام منافسيهم، وهو ما يمثل جريمة في حق هؤلاء الأطفال.

وقد نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية إحصائية حول عدد الأطفال الأمريكيين الذين أصيبوا بأزمات نفسية بعد مشاهدتهم لهذه الأفلام وترددوا على عيادات الطب النفسي، حيث بلغ عددهم (29000) تسعة وعشرين ألف طفل.. فما بالنا نقلدهم في أعمالهم ولا نلتفت للآثار السلبية، ومن ثم لا نعالجها؟!

وبعد هذه الاحصائية الامريكية، فهل يعقل ان نلقي بأطفالنا الى التهلكة ونحول مسارهم من التعلم بالمدراس الي الالتحاق بالمصحات النفسية؟!

خطورة برامج المواهب

اتجهت المحطات الفضائية بدولنا العربية في السنوات الاخيرة لانتاج برامج اكتشاف المواهب، ويجري اختبار الاطفال امام لجان التحيكم مما يعرضهم للأذى النفسي حال فشلهم في اجتياز الاختبارات او خلال مراحل المنافسة التي تنتقل بالطفل من مرحلة لأخرى. وطبعا أصحاب المحطات الفضائية لا يهمهم سوى تحقيق الربح التجاري من خلال الاستعانة بهذه المواهب الصغيرة وتوظيفها في حفلات، ومهرجانات وغيرها.

وعندما نقف نتأمل هذا الوجه الملائكي للطفولة وقد اكتسي مساحيق التجميل والشعر المستعار والوان البلياتشو ويخضع لأضواء شديدة لعدة ساعات ترهق الكبار  فما بالنا بطفل ضعيف لم يكتمل نموه الجسدي والعقلي والنفسي بعد ؟!

انني لا أجد أي مبرر عقلي امام قبول الاهالي استغلال صغارهم في هذه الاعمال الفنية لانها تندرج في النهاية ضمن الاتجار بالبشر وعمالة الاطفال، خاصة وان هذه الاعمال تمثل ضغطا نفسيا على الطفل لكي يكون الافضل والاجدر على المنافسة في الوقت الذي قد لايملك فيه مواهب حقيقة مما يعرضه لصدمات نفسية عنيفة وتحطم ثقته بنفسه وقد تشعره بالاهانة النفسية، مما قد يحوله الى شخص عدواني تجاه المجتمع الذى اشعره باهانة الذات.

بداية مشرقة
وسط هذا الوحل الاعلامي، والغفلة الاسرية، اشرقت نقطة ضوء يجب ان تمشي كل الدول العربية على خطاها لحماية طفولتنا، اتخذت الكويت العام الماضي قرارا بمنع شبكات التواصل الاجتماعي لمن تقل أعمارهم عن 13 عاماً لتلافي المخاطر، وملاحقة أولياء الأمور المستغلين لطفولة أبنائهم للإعلانات والشهرة وزيادة المتابعين، وذلك تفعيلا لقانون حقوق الطفل، وقانون الأحداث.
ونصت الضوابط أيضاً على عدم استغلال الطفل تجارياً إلا في اعمال تجارية ايجابية «تكسب الطفل قيما تربوية وإنسانية مفيدة» وعدم نشر صور أو فيديوهات تنتهك خصوصية الطفل، أو لا تتناسب مع الآداب العامة، كما أنها تمنع الأهل من استغلال الطفل لإكسابهم الشهرة من «طريق الهوس بتصوير الاطفال ونشر المقاطع للفت الانتباه وإبداء الإعجاب وزيادة عدد المتابعين.

نقطة نظام

اعتراضي على انتهاك حرمة وبراءة الاطفال في برامج اكتشاف المواهب او المسابقات واعلانات لا يعني على الاطلاق انني أقف موقفا رافضا للفن او ضد مواهب الطفولة بل على العكس من ذلك تماما ، فالفن والموهبة نعمة من نعم الخالق العظيم ، لكني ارفض الاستغلال السئ لهذه المواهب بما يخرج الطفولة من براءتها ومن اطارها النظيف والطاهر .

فكلنا شاهدنا افلام زمان الابيض والاسود التي استعانت بالاطفال وقدمتهم في صور فنية بديعة وهي تحافظ على براءتهم ، فقد شاهدنا  فاتن حمامة ، وفيروز وهي تغني وترقص بكل براءة دون ابتذال او اثارة ، وتابعنا الاغاني التي قدمها الفنان القديم عبد المنعم مدبولي للاطفال مثل " بابا عبدو " وشارك فيها الاطفال ، وكذلك الاغاني التي قدمها فؤاد المهندس بمشاركة الاطفال وغيرهم وكلها اعمال فنية كتبت خصيصا للاطفال وشاركوا في ادائها في ابداع فني يحافظ علي طهارتهم ، ولذلك حافظت على بقائها في وجدان اجيال عديدة .

ففي الزمن الجميل ايام الابيض الاسود كان الاباء يرسلون اطفالهم لاداء بعض الادوار الفنية  في الافلام والمسلسلات خلال العطلة الصيفية وليس أيام الدراسة المدرسة ، اما  فقد اختلط الحابل النابل ولم الاباء يفكرون سوى بالشهرة والمال علي  حساب تعليم صغارهم وتهذيبهم .

فكم أصدم عندما  أشاهد اطفالا يرتدون ملابس النساء الكبار بميكاج كامل ويقدمون اعمالا للكبار دون مراعاة لسنهم واحيتاجاتهم العقلية والنفسية والوجدانية ، بل انني صدمت بإحدى الفنانات الصغيرات بالخليج العربي بدأت طفلة بلبسها غير الملائم ومكياجها وشعرها وطريقة غنائها ورقصها  وهي اليوم في سن المراهقة وللاسف صارت قدوة لكثير من الاطفال ،وأجزم انها قد أفسدت جيلا كاملا من الاطفال خلال تقديمها لاغاني الكبار والتي لا تناسب سن الصغار.  

أجدد التأكيد على أنني ضد استغلال الاطفال في ترويج السلع التجارية ، واستغلالهم في مسابقات الغناء وهم يظهورن بملابس وميكاج غير لائق لعمرهم وهم يقدمون أغاني للكبار لا تناسب طفولتهم ، وفي المقابل فاني أدعم كل ما من شأنه ان يدعم مواهب الاطفال عبر اعمال فنية تكتب وتلحن خصيصا للاطفال ،وأكرر لست ضد الفن الشريف النظيف  ، والبعيد عن اي شبهة اخلاقية او ابتذال ، ولذلك يجب علينا ان ندعم كل شاعر او ملحن يكتب ويلحن للصغار ، كما ينبغي دفع منتجي برامج المواهب ان ينوعوا في هذه البرامج بحيث تعمل على تقديم واكتشاف الاطفال الموهبيين في مجالات الابداع المختلفة كالشعر والقصة والموسيقى والفن التشكيلي والرياضه وغيرها من من مجالات الابداع الذي يناسب الطفولة .

وفي تقديري أيضا ان المراكز الثقافية وقصور الثقافة المنتشرة في اقطارنا العربية عليها ان تقوم بدور رئيسي في اكتشاف مواهب الصغار الفنية المتنوعة وتعمل على تنميتها وتقيم المسابقات حولها على ان تضفي علي هذه المسابقات لمسة اعلامية عبر بث هذه المسابقات والكشف عن هذه المواهب عبر برامج التلفاز الوطنية الحكومية وعبر قنوات اليوتيوب وغيرها من وسائل الاتصال الحديث .

و ختاما اتمنى ان لا تسرق الأضواء الطفولة البريئة بسبب طمع الاهل و حشرية المجتمع

الجمعة، 10 مايو 2019

رمضان فرصة ذهبية للتعامل الصحي بين أفراد الاسرة

 تعاني الكثير من الأسر من صراعات ومشاحنات كثيرة سواء بين الزوجين أو بين الابناء والابوين او بين الابناء داخل الاسرة الواحدة، مما يشعر هذه الاسر بغياب الامان الداخلي وعدم الشعور بالطمأنينة والسكن النفسي.


ولاشك ان هذه الصراعات والمشاحنات الاسرية مرجعها الاساسي غياب الحب والتفاهم بين افرادها، وعدم الشعور بالحب المتبادل ناتج هو الأخر عن غياب التعامل الصحي داخل هذه المؤسسة وعدم مراعاة اعضائها لآداب التعامل  فيقعون في مشكلات وخصام وتناحر لانهائي يزعع الاستقرار الاسري والمجتمعي.

وما ان يحل عينا شهر الصيام والمباركات حتى تحاول الاسر ان تلم شملها وتجمع اواصرها لترتاح من الشحناء بقيم مستمدة من روحانيات الشهر الكريم واهمها التسامح والعفو والحرص على تحقيق صلة الرحم واشاعة روح المودة.

فرمضان شهر العبودية والرحمة والمغفرة والتسامح والجود والكرم والانسانية في اعظم تجلياتها، ولذلك يجب علينا ان نستثمر طاقاته الايجابية الروحية وما توفره  لنا من صفاء ذهني وروحي في الوقوف مع انفسنا لنتساءل لماذا لا تصفو العلاقات الاسرية، ولماذا لا يتعاون جميع افرادها في تبادل الحب والرحمة والتعاون ايضا في أداء المسئوليات اليومية داخل المنزل والعمل على تذليليها؟ ولماذا لا يتعاون افراد الاسرة في ارساء قيمة الحوار والتفاهم بعيدا عن الانانية والتسلط والقهر؟.
ولاشك ان شهر الصيام يعد فرصة ذهبية لعلاج مشاكلنا الاسرية خاصة وان هذا الشهر الكريم يعلمنا ويغرس فينا سلوكيات قد نتشربها من المقربين منا مثل البذل والعطاء وايثار الاخرين على أنفسنا  والتخلي عن الكبر والعند والانانية المدمرة للفرد والمجتمع.
فالتجمعات العائلية خلال أيام هذا الشهر الفضيل، سواء على مستوى الأسرة الصغيرة او العائلة الكبير الممتدة خلال موعد واحد للإفطار، وتجمع مختلف الاجيال على هذه المائدة الرحمانية من الأجداد والاباء والأحفاد يقوي الروابط الاجتماعية داخل افرادها ويشعرها بالتماسك والقوة ويكسب افردادها الثقة بالنفس.
وقد أثبتت أحدث الدراسات العلمية في هذا الصدد، ان تجمع الأسرة و العائلة بشكل منتظم يحمل الكثير من الانعاكسات النفسية الإيجابية على الأفراد، شريطة أن تكون الأجواء العائلية ودودة ومريحة لجميع الأفراد، وألا يكون وقت الطعام مخصص لمناقشة المشاكل الداخلية أو تأنيب وتوبيخ أحد أفراد العائلة.
واجتماع الاسرة على مائدة الافطار يقيم جسور التواصل بين افرداها يقوي شعور المحبة والتسامح وتحقيق الالفة بين القلوب.

ولما كانت الأسرة من أهم المؤسسات التربوية التي يكتسب الفرد معظم قيمه منها ، فانها تظل حصن الامان الذي يعود اليه الفرد مهما شط عنه في مرحلة المراهقة سعيا منه لتحقيق الاستقلالية لكنه سرعان ما يعود  للقيم الاسرية التي تشربها من  والديه.

من هنا فان التعامل الصحي بين الابوين من مودة ورحمة وتفاهم وحزم مع لين ووعي بقيمة الترابط الاسري يعد نمطا مثاليا لتنشئة أبنائهما ويجنبهم  الكثير من الصراعات، غير ان كثيرا من  الاسر تقع في فخاخ التفكك نتيجة الانانية المفرطة لدى الاب او الام، والبعض يقع في فخاخ التسلط والقهر بعيدا عن ضرورات الرحمة والمودة، مما يؤدي الى مشاكل عديدة تنعكس سلبا على الابناء.

كما تعاني بعض الاسر من القصور في فهم دورها التربوي في تنشئة الصغار مما يقودهم الى انحرفات سلوكية شديدة القسوة، فهناك نمط الحماية الزائدة  للأبناء، أو التسلط القهري  أو التدليل الزائد وهو ما قد يصيب الابن بالاضطراب أو الضعف في الشخصية فيفقد القدرة على التكيف السوي مع بيئته، كما يؤدي ذلك الى زعزعة القيم لديه.

في تقديري ان الازمات الاسرية تقع وتتواصل نتيجة غياب الوعي الثقافي بدور الابوين في الحفاظ على العلاقة المقدسة بينهما وان هذه العلاقة هي كيان وبناء لابد ان يبقى صامدا في مواجهة تحديات الحياة بالصبر عليها وعبورها بالتفاهم والعلم والحب والتسامح والتعاون،  كل هذه المعاني الاخلاقية لابد ان تكون موجودة داخل الابوين حتى تنتقل منهما الى الابناء خلال مراحل تربيتهم.
فالابوان ينبغي ان يتحريا قيم الصدق بينهما ليكونا قدوة لذريتهما، وأن يتبادلا مواقف الحب العدل والصبر الاخلاص والوفاء  فيما بينهما حتى يشرب الصغار منهما هذه القيم  العليا.

وفي تقديري، ان الاسرة بدءا من الوالدين يبنغي ان يصححا علاقتهما دائما بالصداقة بينهما، حتى يستطيعا لاحقا ان يصاحبا ابنائهما، فالوالدان مطالبان بتوفير بيئة صحية للصغار ملؤها الحنان والحب واللين والحزم بلا قسوة، وان يتعاملا مع أطفالهما وكأنهم اخوتهم وأصحابهم حتى تشيع المودة بين افرادها.

وكما ينبغي على الوالدين بناء علاقات عادلة بين الأخوة، وعدم تفضيل أحدهما على الآخر حتى لا يتولّد لديهم التنافس والغيرة، وفي ظني ان توافر هذه المقومات من شأنه ان يكسب الابناء اخلاق حميدة تساعدعم في بناء شخصيات انسانية سوية قادرة على التعلم و اكتساب خبرات الحياة بلا مشاكل او عقد نفسية.  



الأحد، 5 مايو 2019

الزرادشتية تبقي رمزا فلسفيا للحب والرحمة والاخلاق

 جاء خير البرية والمرسلين سيدنا محمد صل الله عليه وسلم ليتمم مكارم الاخلاق التي جاء بها الانبياء والرسل، فالاديان السماوية الثلاث كلها كما ركزت على الدعوة الى توحيد الخالق العظيم لكنها ركزت أيضا على مكارم الاخلاق لان الحياة لا تستقيم بدون قيم العدل والرحمة والتعاون ونشر السلام والعطف على المسكين والضعيف وغيرها.

والمعروف ان كل نبي ورسول قد بعث لقومه فقط، ماعدا سيد الخلق محمد بن عبد الله الذي أرسله الله رحمة للعالمين من انس وجن وشجر وحيوان وغيره، وهناك ما نعرفه من الرسل كما جاء ذكرهم في القرآن الكريم، وأنبياء ورسل  لم نعرف عنهم شيئا  كما ذكر الله تعالى في محكم كتابه بسورة النساء الآيات /163-164: ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا . وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ).
فهذه الاديان السماوية التي جاء بها الانبياء والرسل بوحي من السماء، لكن هناك أديان أرضية منتشرة في الكرة الارضية يعتنقها الكثير من الاتباع والمريدين ولها قيمها الاخلاقية والانسانية الرفيعة كالأديان الهندية والصينية قائمة على تعاليم مؤسسيها، ولا تدعي اتباع الوحي المباشر، وترجع البوذية إلى سدارتا غوتاما، والجينية إلى مهافيرا، والسيحية إلى غورو ناناك، والكونفوشية إلى كونفوشياس، والطائية إلى لاو تْسي.
ولكن هناك أديان موغلة في القدم توحد الخالق دون ان تحسب على انها سماوية، مثل الزردشتية التي يرى أتباعها ان مؤسسها صاحب وحي ونبي  بينما  يري فقهاء الدين الاسلامي والباحثين في علوم الاديان في بريطانيا انها مجوسية تعبد النار إلها، وهو ما يذهب  معظم فقهاء الاسلام مثل ابن الجوزي ومن ثم فهي باطلة، غير ان بعض العلماء يذهب للاعتقاد بأن مؤسس الزرداشتية نبي، كلشهرستاني، ومنهم من يري أن مؤسسها نبي مرسل ثم بمرور الزمن طرأت عليها تغييرات كمصطفى حلمي.
بينما يؤكد اتباع الديانة الزرادشتية انهم يعبدون الاها واحدا وانهم لا يعبدون النار وانما يتوجهون اليها باعتبارها رمزا تطهيريا كما يقبل المسلمون الحجر الاسود في مكة.
وما يثير دهشة المتأمل في الاديان يجد تشابها بين الزرادشتية والإسلام فيما يخص اقامة الصلاة خمسة مرات في اليوم، ومن حيث صيام شهر واحد في السنة ومن حيث ايضا وجود اسراء ومعراج. وهذا التشابه قد حير كثيرا من الباحثين المتخصصين، ولاشك ايضا انه يحيرني ويحير كل ذي عقل.
 
الوحدانية التثنوية
تعد الزّرادشتية كما تذكر المصادر التاريخية والباحثون المتخصصون، ديانة فارسية آرية قديمة، تنسب الى (سبيتاما زرادشت) وتقدس الحق والصدق، وتتركز على الاله الواحد المطلق، الذي يخلق إلهين، يختار أحدهما الخير والنور واسمه أهورامزدا ويختار الثاني الشرّ والظلام واسمه أهريمان.
 ولهذا تسمى هذه الديانة بالوحدانية الثنوية التي تعكس الصراع الازلي والدائم لإلهي الخير والشر حتي ينتصر إله الخير على إله الشر، ويختفي الشرّ من العالم بحسب التعاليم الزرادشتية.
 
اول دين توحيدي
كشف بحثٌ لمركز فيريل للدراسات في برلين بألمانيا حول مراجعة لتاريخ الأديان ومعلومات متاحف الآثار في ألمانيا، عام 2016 عن  ان “الزرادشتية هي أول ديانة توحيدية في العالم”. والتي نُسبت إلى مؤسسها زرادشت Zarathustra، وهو فيلسوف عاش في إيران وتنقل بين جنوب القوقاز وبلاد فارس والعراق، ناشراً تعاليمهُ التي مازال لها أتباع حتى الآن في إيران والعراق والهند والباكستان، وقد ظهرت ديانة التوحيد حوالي 1560 قبل الميلاد، أي قبل أكثر من 3500 عام، بسّط زرادشت التشاركية الإلهية الثنائية التي كانت سائدة قبلهُ: “سبتامينو” إله الخير، وأنكرامينو”: إله الشرّ، فجمعها بإله واحد هو “أهورا مزدا” أي الحكمة المُنيرة، لهذا كان النور أهم رموز دينه والتي ترمز له الشمس، وليس عبادتها أو عبادة النار كما يُشاع عن الزرادشتية، فهم يعتبرون النار والماء أدوات من طقوس الطهارة الروحية.
وتؤكد الدراسة ان  الديانات التوحيدية التي جاءت لاحقاً قد تأثرت الزرادشتية، وكان اليهود أولهم وقد تعلموها بعد سبي بابل، لكن بالمقابل؛ تأثرت الديانة الزرادشتية بالفلسفة الدينية البابلية والسومرية التي سبقتها.
 
الحكمة والنبوة
يعد زاردشت "  فيلسوفا حكيما جمع بين حاجات الانسان للحياة وفق قواعد اخلاقية اصلاحية وأخرى دينية اخروية، فمن لم يعتقد بنبوته، لا يختلف علي حكمته وفلسفته العميقة وهي فلسفة تنطلق من فكرة التوحيد الالهي رمزا للرحمة والخير وتتواصل في معترك الحياة بقيم اخلاقية وروحية رفيعة وهو يتجسد في الفضائل السبع التي يؤمن الزرادشتيون وهي الحكمة، العفة، الإخلاص، الكرم، الشجاعة، العمل والأمانة وتأتي من سبتامينو أو القوة المقدسة، وهي الإدراك أو الأنا العليا بمفهوم علم النفس.  بينما تأتي الرذائل السبع وهي: الخيانة، الجبن، البخل، الظلم، إزهاق الأرواح، النفاق، والخداع، وتأتي من أنكرة مينوا أو القوة الخبيثة، وهي عدم الإدراك، ويحتدم الصراع بين القوتين داخل كل إنسان، حتى تنتصر قوة الخير، فيصل إلى قمة الصفاء.
ولاغرابة ان نجد زرادشت يحظى باحترام فائق لدى الحضارات المختلفة، بل أن تعاليمه ـ كما يذهب الدراسون المختصون ـ قد اثرت علىز الديانات السماوية التي لحقت به ، فقد عرف زرادوشت في العالم القديم بوصفه رجل الحكمة والمعرفة، واعجب به الفلاسفة الإغريق ولا يزال بعض الفلاسفة والمفكرين يحترمونه كرجل حكيم  قدم خدمات معرفية واخلاقية للانسانية ، وقد استوحى أفرادٌ مختلفون مثل فولتير ونيتشه وفريدي ميركوري، من الديانة الزرادشتية.
وعرف زرادشت بالكرم ومحبة الاهل والبشرية والانشغال في نشاطات اخلاقية واجتماعية، كما عرف بإنعزاله الكثير عن عائلته وعن الناس للتأمل في الله والكون والحياة وفي معاناة الانسانية حتى تصفو روحه وتشرق نفسه.
قضى زرادشت حياته في نشر رسالته والعمل على تعليم شعبه التعاليم الأخلاقية بحسب الكتاب الموحى اليه من قبل أهورامازدا(آفيستا)، والذي نزل عليه بلغة بيّنة قريبة الى عامة الناس. ولم تنته حياته إلا وقد دخل في دينه الغالبية المطلقة من شعوب الامبراطورية الفارسية والشعوب المجاورة لها. ويُقال أنه مات قتيلاً في بيت من بيوت النار في(بلخ) حوالي سنة 583 ق. م، عن عمر ناهز السابعة والسبعين، عندما أغار عليه الطورانيون أعداء الفرس.
 
اعتقادات الزرادشتية
يَعتقد الزرادشتيون بوجود إله الخير هو “أهورا مزدا”، و هو إله النور، وبوجود مصدر للشر الدائم هو “أهرمان” أي القوى الخبيثة الشريرة “إله الظلام”.
تؤمن الزرادشتية بأن الله واحد، وهم يعبدونه وحده، وأهرمان ليس إله، لهذا لا يعبدونه، كما أشاع عنهم أعداؤهم، بل يتحاشونه لأنه مصدر للوساوس الشريرة. وحسب ترنيمات Avesta وهو الكتاب المقدس للزرادشتية: “أدركُ أنك أنتَ وحدَكَ الإله الواحد الأحد الأوحد، الخيّرُ القدوس الحق المنير العادل المُعطي الأكبر المُخلّص الحكيم…”.
الروح في الزرادشتية موجودة دائماً والجسد هو الفاني، هذه الروح تبقي  بعد الموت  في منطقة بين الجنة والنار بانتظار يوم الحساب، كما يؤمنون بالصراط المستقيم وميزان الأعمال.
الله الواحد له ملائكة ومساعدين وعددهم ستة اسمهم أميشا سبنتاس أي المخلدون المقدسون ، كما يؤمنون بوجود: الملائكة الحرّاس لكل رجل وامرأة وطفل، تحميهم وترشدهم إلى الخير وعمل الفضيلة، وهناك سبعة شياطين تدعى “ديو”، توسوس بارتكاب الآثام والمعاصي، وتحوم حول الإنسان.
أخذت الديانة الزرادشتية معتقداتها عن الحضارة السومرية ثم البابلية، وهو ما يظهر في لوح سومري في جزيرة المتاحف ببرلين Berliner Museumsinsel، ترجمة لقصة الأنوناكي وهي الكائنات الفضائية التي هبطت على الأرض من كوكب نبيرو، الزرادشتيون استبدلوا الاسم بالكوكب “بيرو” وهو بداية الصيام عندهم. ثم أخذوا الـ 400 ألف سنة التي استوطن فيها الأنوناكي على الأرض، فاعتبروا السنة بألف، وكل سنة بمثقال ذرّة.”. لتأتي في اللوح السومري ذكر وادي النمور وهو جنّة عدن، وقصّة آدم وحوّاء اللذين وضعا ماءهما في جرّتين وانتظرا تسعة أشهر… بعد الزرادشتين تأثّرت كافة الديانات، دون استثناء، بقصة السومريين كالطوفان والجنة والنار.
 
تجليات التوحيد في الغاثا
يتجلي التوحيد في أناشيد الغاثا لزرادشت، كما يبرز خلق الكون عبر هذه الاناشيد، حيث انه بعد ان يخلق أهورامزدا عالم الملائكة وعالم الشياطين، فإنه يخلق سبع سموات ويزيّنها بالشمس والقمر والكواكب والنجوم ويجعل من السماء السابعة عرشا له ويجعل غلافها درعا وسياجا للكون، ثم يخلق البحار والرياح الممطرة لكي لا تجف البحار، ثم يخلق الارض في كبد السماء، ثم النباتات والاشجار، فالحيوانات، فالانسان الاول(جيومرث).
والغاثا، هي مجموعة من الأغاني والترانيم التي تعتبر مركزية في الابستاق (أو الافيستا)، الكتاب المقدس في الزرادشتية، وتستمد نصوص الابستاق الباقية من نسخةٍ رئيسية واحدة دوّنت أثناء الإمبراطورية الساسانية (224-651 م).
من أناشيد الغاثا لزرادشت:
من هو منذ قديم الزمان؟....
من رسم المسار للشمس والقمر؟ ...
من أمسك الأرض ورفع السماء فلا تقع؟...
من أنبت الزرع وصنع المطر؟...
من خلق الأفكار الخيّرة؟....
من سخر الليل والصباح والظهيرة تذكرة للناس؟
من سخر البقر والانعام لرخاء الناس؟
من علم الناس الإحترام للوالدين؟...
من غير العقل الطيب،
ومن هو خالق كل شىء حسن وخيّر في الكون؟.
ويستريح أهورامزدا لمدة خمسة أيام بعد خلقه للكون ومن هنا يحتفل الزرادشتيين بهذه الايام الخمسة كل سنة ويسمونها (كهنبار) وهي في الحقيقة أيام زائدة في السنة الفارسية.
 
بين التشابه والاختلاف
ما تحمله الزرادشتية من قيم دينية واخلاقية، وتشابه في مواطن عديدة مع الدين الاسلامي اثار ويثير جدلا كبيرا بين المهتمين بالاديان والمثقفين بصفة عامة، وبينما يرى معظم فقهاء  المسلمين ان الزرادشتية ديانة شركية مجوسية تعبد النار، فان رجال الدين الزرادشتي ينفون ذلك مؤكدين ان دينهم توحيدي، فهم كما يقولون نحن نعبد إله واحد لا غير هو إله الخير أهورامازدا ونصلي له خمسة مرات يوميا لكننا نعبده من خلال توجهنا لهذه النار لأننا نعتقد أنها ترمز إلى النور الإلهي ومادمنا بحاجة إلى رمز في دنيانا فنحن نقدس هذه النار ونجتمع حولها ونعتبرها قبلة لنا.
وهناك من العلماء من يرى ان زرداشت  نبي بدين سماوي تم تحريفه، استنادا الى ان الاسكندر حرق كتب الزرادشتيين في القرن السابع الميلادي وتبقى فقط أربعة اجزاء يمثلهم كتاب " افستا " الكتاب المقدس للزرادشتين.
فهناك تشابه كبير في اسماء الله الحسنى الورادة بالزرادشتية والورادة بالاحاديث النبوية، كذلك فكرة المسيح الدجال و خروج المهدي المذكورة في الأحاديث النبوية تتشابه مع الزرادشتية غير ان معظم فقهاء المسلمين يذهبون الى انه دين وثني استنادا الى انه يشترط في توحيده على الايمان بنبوة زرادشت ولا نبي بعده، كما ان القرآن الكريم لم يذكر شيئا عن نبوة زرادشت، كما ان سيدنا محمد لم يذكر اي شئ عن زرادشت بوصفه نبيا، ويرجحون ان التشابه بين الزرادشتية والاسلام قد يكون مرجعها الى الاسرائيليات، مشيرين الى ان وجود بعض ما يوافق الإسلام في الزرادشتية، لا يدعم فكرة ان يكون صاحبها نبيا، فالاستناد الى نص الآية الكريمة (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) ودلالاتها على وجود رسل سابقين لا نعلمهم لا يلزم معه أن نفتح باب احتمال نبوة كل صاحب ديانة اشتملت معتقداته على شيء مما جاء به الإسلام.
فالزرادشتية لدى المسلمين ليسوا أهل كتاب، والجزية قد أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم من المجوس، وهم عباد النار لا فرق بينهم وبين عبدة الأوثان، ولا يصح أنهم من أهل الكتاب، ولا كان لهم كتاب برأي علماء المسلمين .
 
ماذا بقي من الزرادشتية
مهما اختلف اصحاب الاديان بشان صحة المعتقد الديني لدى زرادشت، فلا أحد يستطيع انكار حقيقة انها تملك مقومات بقائها كفلسفة اخلاقية عظيمة بما تتضمنه من تعاليم لنشر المحبة والرحمة والسلام  التسامح والتشجيع على العلم واستعمال العقل والمنطق والقناعة والتفكير بالحياة ومصير الانسان والجنة والنار.
وقد تقلص اتباع الزرداشتية في العالم، فلا يتجاوزن 300,000 الف تابع في العالم بحسب تقديرات الأمم المتحدة ومنهم 100,000 ألف تابع يعيشون في الهند و50,000 تابع في(كراتشي) باكستان و25,000 تابع في امريكا وكندا. والباقي يعيشون في جمهورية ايران الاسلامية، إذ بقي أقل من 100,000 تابع في عموم ايران. وتعترف الحكومة الاسلامية في ايران بديانتهم رسميّا ولهم عضو في البرلمان الايراني.
تعاني الزرادشتية اليوم من مشكلة تناقص عدد أتباعها لأنها لا تقبل الإهتداءات الجديدة ولا الزواجات المختلطة وعلى المُنتمي إليها أن يكون من الجنس الفارسي، فلكي تكون زردشتيا جيّدا فيجب أن تكون فارسيا جيدا، ولا يمكن ايضا الزواج من خارج الديانة بالنسبة للجنسين. وهو ما يجعلها تبدو وكأنها ديانة قوميّة  تفقد بريقها الروحي القديم.

الجمعة، 26 أبريل 2019

45 مليون شخصاً في الألفية الثالثة يعيشون العبودية

 أثار احتفاء منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة " اليونسكو" مؤخرا باليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الرق وتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي لعام 2019، العديد من الشجون في قلبي وقلب كل من يتألم بألم الإنسانية.


فرغم أهمية هذا الاحتفاء الدولي بهذه الذكرى قبل مدة و تحديدا يوم 25 مارس وبشكل سنوي للتوعية بمخاطر الرق والعنصرية والوحشية التي تعرض لها ملايين الأفارقة طوال أربعمئة عام ودفع ثمن جريمتها قرابة 17 مليون إنسان، فضلا عن الذين ماتوا خلال نقلهم من موطنهم إلى المستعمرات الأمريكية والأوربية، إلا أن هذه العبودية والاسترقاق لم ينته بعد، فنحن لا نزال نعيشه في شكله القديم وأيضا في أشكاله الحديثة.

ورغم إلغاء العبودية قبل قرنين من الزمان إلا أنها عادت في ثياب جديدة وعبرت عن نفسها في ظاهرة الاتجار بالبشر، وبالأعضاء البشرية وبالتجارة بالنساء عبر بوابة تجارة الجسد وعبر سوق الإعلان لجلب مستهلكين للسلع والمنتوجات واستغلال الأحرار في عمل دون إعطائهم أية حقوق مادية وهو آفة منشترة في مناطق مختلفة من العالم.
 
واقع صادم
ونحن نعيش الألفية الثالثة للميلاد وما تعيشه البشرية من تطور حضاري تقدمت فيه القوانين الدولية التي تحفظ حقوق الإنسان في الحرية، فإن الواقع الدولي يؤكد أنه لا يزال هناك نحو 45 مليون إنسان تشملهم ظاهرة الاتجار بالبشر.

وبفعل انتشار النزعات والحروب الأهلية وما ارتبط بذلك من ظواهر إرهابية وعنف وهجرات ونزوح قسري... وغيره ، فإن النساء والأطفال كانوا أكثر الفئات الإنسانية تعرضا للانتهاك والاغتصاب وتجارة الجسد والأعضاء.

فالحروب الأهلية والنزاعات الداخلية في منطقتنا العربية أفرزت ظهور جماعات الإسلام السياسي المتشددة والإرهابية كالقاعدة ومن بعدها داعش وأغرقت المنطقة في بحور الدم فدفعت الملايين للفرار والهروب الجماعي والنزوح القسري، والذين تعرضوا في حالة فرارهم للابتزاز الإنساني بكل أشكاله فوقعوا تحت طائلة الاستعباد.

أما الذين ظلوا على الأرض في سوريا والعراق و ليبيا فقد دفعوا ثمن تمسكهم بالأرض خاصة النساء والأطفال فقد سبيت النساء وبيعت مجددا في سوق النخاسة واستخدم الأطفال إما في الحرب أو لتجارة الأعضاء على مسمع ومرأى شعوب العالم.

فقد اكتظت شبكات التواصل الاجتماعى بفديوهات وصور لمشاهد تنظيم داعش الإرهابي وهو يبيع فيه النساء الأسيرات، ويبدأ سعر المرأة من 100 دولار إلى 150 دولارا وخلال فترة قصيرة ارتفع ثمن الجارية من 150- 1000 دولار.
 
حقائق
لاشك أن التشظي والتفتت الذي تعرضت له بعض الدول العربية عقب ثورات الربيع العربي، وما تبعه من زيادة عدد المهجرين من أوطانهم وغياب مفهوم الدولة المستقرة قد استثمره تجار البشر المستغلين أبشع استغلال، يؤكد ذلك عمليات بيع المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى خلال محاولتم الوصول إلى أوروبا في أسواق عبودية في ليبيا.

وهذا ما كشفه فيديو بثته شبكة "سى إن إن" الأمريكية فى نوفمبر الماضى، حيث يظهر الفيديو شبابا من النيجر وبلاد أخرى فى منطقة جنوب الصحراء الكبرى يباعون بسعر 400 دولار أو 300 جنيه إسترلينى فى أماكن لم يتم الكشف عنها فى الدول العربية.

كما يظهر الفيديومجموعة من المهاجرين الأفارقة يقفون متراصين وينادي عليهم السمسار فى مزاد علني من أجل بيعهم للعمل فى مزارع. فقد احتجز المهربون هؤلاء المهاجرين وأجبروهم على العمل مقابل رواتب قليلة أو عدم تقاضي أي رواتب.

ووفقا لتقرير أوردته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" عن الشأن ذاته، تقول إن منظمة الهجرة الدولية بليبيا في أبريل 2017 كانت قد جمعت أدلة عن العبودية فى ليبيا قبل نشر هذه الواقعة، موضحة أنه كانت هناك تصريحات سابقة لمدير المنظمة الليبية يتحدث فيها عن أن تحديد أسعار المهاجرين يخضع للمهارات التى يمتلكونها.
 
مؤشرات العبودية
وتقر مؤسسة "ووك فري"  في بيان لها نشرته شبكة "سى إن إن"  بان :"العبودية ليست شيئاً من الماضي، وعلينا أن ندرك ذلك إن طبيعة العبودية الحديثة تجعلها سرية ومخفية عن الأنظار، ولكن هذا لا يعني أنها لا تحدث فى كل مكان، وأن كل بلد فى العالم يتأثر بها"، وعرفت العبودية على أنها "حالات استغلال، حيث لا يمكن للشخص الذى يعانى من العبودية أن يرفض عمله أو يتركه بسبب تهديدات أو عنف أو إكراه أو إساءة استخدام للسلطة أو الخداع"، مشيرة إلى أن حوالي 45.8 مليون شخصاً من حول العالم اليوم يعيشون فى ظل هذا النوع من العبودية.

وطبقا لمؤشر العبودية فى هذه المؤسسة الدولية فإن نسبة الأشخاص الذين يعيشون فى ظل العبودية الحديثة فى موريتانيا انخفض بنسبة 4% عام 2014 إلى 1% عام 2016، فيما جاءت كوريا الشمالية بالمرتبة الأسوأ فى المؤشر، بعدما أظهرت الدراسة أن بين 20 شخصا هناك ضحية واحدة للعبودية.
فيما جاءت أوزبكستان بالمرتبة الثانية على صعيد عدد السكان فيما يخص انتشار العبودية الحديثة وذلك على رغم من اتباع بعض الخطوات لمعالجة العمل الإجباري فى صناعة القطن لكن الحكومة الأوزبكية مازالت تخضع مواطنيها للعمل القسري فى حصاد القطن كل عام.
 
عبودية حديثة
اتخذت العبودية في عصرنا الحديث أشكالا جديدة تتمثل في إجبار الأشخاص على العمل وتهديدهم حال تركه وعدم إعطائهم حقوقهم نهائيًا، والمثير في الأمر أن بعض الدول الكبرى وممن ترفع رايات الحريات لا زالت تسترق إنسان القرن الحادي والعشرين مثل بريطانيا، والأكثر غرابة أن ظاهرة الرق آخذة في التنامي بسرعة في هذا البلد الحضاري المتقدم، وذلك بحسب ما كشف النقاب عنه تحقيق أجرته بعض المنظمات الخيرية حيث رصدت زيادة كبيرة في جرائم العبودية في بريطانيا.

فقد أوضحت منظمة هوب فور جوستس "أمل من أجل العدالة" المتخصصة في  حملات مناهضة للاتجار بالبشر، أن مشكلة العمالة القسرية والاستعباد المنزلي والاستغلال غير الأخلاقي تعد مشكلة كبيرة للغاية في بريطانيا.

وكشفت مصادر التحقيق البريطانية، عن أنه خلال السنوات الثلاث الماضية وقعت ثلاثمئة وست وثلاثون جريمة عبودية، وأوضحت المنظمة الخيرية أن التقديرات الحالية لعدد من حالات الاتجار بالبشر تقدر بنحو مائة ضعف ذلك الرقم، معتبرة أن 90 في المائة من الضحايا لا تعلم عنهم السلطات أو المنظمات الخيرية لأنها جرائم خفية.

وقال الرئيس التنفيذي لمنظمة أمل من أجل العدالة، أن الاتجار بهم  يحقق ربحا شهرياً للمتورطين يقدر بنحو خمسة عشر ألف جنيه إسترليني.

وأمام هذه الحقائق، فإن المجتمع الدولي والإنساني يجب أن يقف صفا واحدا في مواجهة ظاهرة الرق والعبودية في أشكالها القديمة والحديثة على حد سواء تحقيقا لحق الإنسان في الكرامة والحرية والعدالة. متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرار !!!

الاثنين، 22 أبريل 2019

كاتدرائية نوتردام تاريخ من الصمود

 تجرع مثقفو العالم ومبدعيه مرارة احتراق كاتدرائية نوتردام، فهذه المرارة التي شعرت بها شعوب العالم ترجع الى اعتبار ان الكاتدراية معلم ثقافي اوروبي انساني، فهي ليست ملكا للجمهورية الفرنسية او الثقافة الاوربية فحسب، بل ملك للانسانية جميعا.


فهذه الكاتدرائية التي شيدت قبل 854 عاما  التي  تمثل ذاكرة انسانية تحفظ منجز حضاري وثقافي لفن المعمار القوطي في العصور الوسطى، بجانب قيمتها الدينية لاخواننا المسيحين في الشرق، حيث تعرف لدينا نحن العرب  باسم"سيدتنا العذراء"، وما تحمله السيدة مريم من مكانة لدى المسلمين والمسيحين في اقطارنا العربية من رموز للقدسية والطهارة.

في هذه الكاتدرائية يمتزج التاريخ وحضارة فن المعمار بالمقدسات، وهو ما يضفي عليها اهمية ثقافية ودينية  خاصة لدى العالم، إكليل الشوك، الذي يعتقد المسيحيون أنه وضع على رأس يسوع المسيح خلال صلبه، وكذلك  "الصليب الحقيقي"، أي الصليب الذي تم صلب المسيح عليه.

وقد اجتمع لهذا لمبني الخالد كل مقومات الابداع والبقاء والخلود بدءا من اطلالته على نهر السين بقلب باريس وكونه تحفة فنية معمارية تجسد تجليات القوطية التي سادت العالم في القرن الثاني عشر وحتى بداية القرن السادس عشر.

ولعله ما أضفى عليه مكانة ثقافية لدى مبدعي ومثقفي العالم انها  كانت لاعبا رئيسيا في رواية "أحدب نوتردام" لفيكتور هوجو. الذي كانت بطلة الفيلم الذي جسد القصة الفنانه اللبنانية المكسيكية سلمى الحايك و الذي ساهم زوجها لاحقا ب ٢٠٠ مليون يورو لإعادة ترميم الكاتدرائية

ولعل مشهد الصدمة التي اصابت العالم شرقا وغربا من هول الحريق الذي شب بالكاتدرائية ودمر جزءا منها، دفع دول العالم لاعلان تضامنه مع فرنسا للعمل على اعادة ترميمها، خاصة وانها مدرجة على لائحة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) للتراث العالمي منذ عام 1991، وتستقطب أضخم عدد من الزوار في اوروبا يربو علي 13 مليون سائح سنوياً.
 
تاريخ وصمود
شهدت كاتدرائية نوتردام الكثير من الأحداث التاريخية الكوارث والاحتجاجات والحروب، ففي عام 1548، دمرها الشغب ظنا من المشاغبين ان مميزاتها وثنية، وفي عهد لويس الرابع عشر ولويس الخامس عشر، خضعت الكاتدرائية للتعديلات الرئيسية كجزء من محاولة مستمرة لتحديث الكاتدرائيات في جميع أنحاء أوروبا.

وخلال الثورة الفرنسية، تعرضت لأضرار بالغة حيث انتهكت تماثيل القديسين على أيدي متهورين من المعادين للأديان، فقد كرست الكاتدرائية لـ"عبادة العقل"، ومن ثم لعبادة الكائن الأسمى، وخلال هذا الوقت دَمرت أو نُهبت العديد من كنوز الكاتدرائية، ولكنها صمدت بشموخ امام هذه الاحداث الجسام سواء كانت الثورة الفرنسية او الحربين العالميتن.

والمتأمل مجددا لسرعة استجابة العالم مع فرنسا تجاه هذه الكارثة، تعكس حقيقة ان الانسانية بطبعها مبجولة علي الخير وعلي عشق الجمال والحنين للماضي مهما عاش في فضاء الحداثة وما بعدها وتكنولوجياتها المعقدة.

فهذه الكارثة قد وحدت دول العالم التي تتصارع فيما بينها علي المصالح الاقتصادية والسياسية، فللحظة ما تناست الدول خلافتها ومطامحها وعدواتها بما لبعضها، خرجت المشاعر الجميلة للانسانية في تألفها وتعاضدها وتعاونها لانقاذ منجز بشري خلده التاريخ، فأعلنت جميعا وفي نفس واحد عن شعورها بفداحة الخسارة، واعلنت جميعا التضامن لاعادة الترميم والبناء.

ما أروع الانسانية اذا تخلت عن عنادها واطماعها وجبروتها، واستيقظ ضميرها وعادت لفطرتها في الحب والرحمة والتعاون. أظننا في هذه الحالة نكون في الجنة ننعم بظلالها الوافرة وضيائها المشرق ومائها العذب الرقراق.

الثلاثاء، 16 أبريل 2019

كفالة اليتامي ارث انساني وضمان دخول الجنة

 في زماننا الملئ بالقسوة و طغيان المادية والجشع البشري الذي قاد الى حروب انتهكت حرمات الدم والعرض وبراءة الاطفال، ننتظر لحظة تستعيد فيها الانسانية معاني الرحمة والشفقة وتفيض قلوبها بمداد الصفاء والعطاء والحنو على المسكين واليتيم والضعيف.

تأتينا نسمات الانسانية من خلال الاحتفال في أوطاننا العربية بيوم اليتيم الذي يحتفل به اول جمعة من ابريل سنويا، هذه النسمة التي ابتكرتها جمعية دار الاورمان في مصر عام 2003 وتبنتها جامعة الدول العربية عام 2007 وسارت خطاها العديد من البلدان في العالم، تعد فرصة لنرحم اليتامى ونخفف عنهم آلام اليتم ونغمرهم بالحنان عبر تنظيم الحفلات لهم ومنحهم الهدايا وغمرهم بالحنان والعطف وتقديم الدعم النفسي والروحي لهم عبر تنظيم رحلات ترفيهية لهم.
يكتسب الاحتفال بيوم اليتيم اهمية كبرى في عالمنا العربي في زيادة اعدادهم في السنوات العشر الاخيرة بفعل الحروب والنزوح والصراعات المنتشرة في أرجاء بلادنا العربية التي تزيد فيها اعداد التيامى خاصة في العراق التي تحتل مركز الصدارة في اعداد التيامى بما يزيد عن ستة مليون يتيم حسبما تشير احصاءات اليونسكو وتليها سوريا واليمن.
 
ارث  حضاري
يعد احتفاء شعوب عالمنا المعاصر باليتيم ووجوب رعايته وحمايته الي ارث حضاري قديم بجانب الاديان السماوية الثلاث، فالحضارة الفرعونية القديمة اهتمت باليتيم وكفالته، وهو ما كشفته النقوش المحفورة على اللوحات الجنائزية الفرعونية.
وكما تذكر المصادر التاريخية، أن الملك أمنمحات كان يفتخر في العبارات المنقوشة بأنه لم يقهر أرملة، بل كان يعطيها مثلما كان يعطي للمرأة المتزوجة وكان يحنو على اليتيم، وتبرز النقوش على المعابد ايضا ان المصري القديم كان يؤكد ان حماية اليتيم هي حماية السماء، وكانت الأسر تكفُله وتخصص له مرضعة وتوصي بأن يحصل اليتيم الذي تكفُله على نصيب من الميراث.
كما كان القدماء أيضاً يحرصون على تعليم الأيتام في المدارس الملحقة بالمعابد وتكريم المتفوقين لتكون دفعة للاستمرار الناجح.
 
عناية الاديان
اهتمت الأديان بحقوق اليتيم وإكرامه والإحسان إليه، والحفاظ على ماله؛ وذكر اليتيم 17 مرة في القرآن الكريم، و14 مرة في الكتاب المقدس.
فنصوص التوراة دعت لحماية اليتيم وعدم الاساءة اليه تجنبا لغضب الاله، وهو ما تجلي في هذه النصوص: (22 لاَ تُسِئْ إِلَى أَرْمَلَةٍ مَا وَلاَ يَتِيمٍ. 23 إِنْ أَسَأْتَ إِلَيْهِ فَإِنِّي إِنْ صَرَخَ إِلَيَّ أَسْمَعُ صُرَاخَهُ).
24 (فَيَحْمَى غَضَبِي وَأَقْتُلُكُمْ بِالسَّيْفِ فَتَصِيرُ نِسَاؤُكُمْ أَرَامِلَ وَأَوْلاَدُكُمْ يَتَامَى.) (سفر الخروج، الإصحاح 22)
وفي الكتاب المقدس ايضا نجد نصوص (مزامير 10:14)"ولكنك اللهم ترى، أنت تلاحظ الشقاء والغم، أنت تجازي بيدك، إليك يسلم المسكين أمره، أنت ناصر اليتيم".
"بل دافعوا عن حق الضعيف واليتيم، انصفوا المسكين والمظلوم". (مزامير 3:82)
"أني أنقذت المسكين الذي استغاث، واليتيم الذي لا معين له". (أيوب 29:12)
الأحكام التي طلب الله من موسى النبي، أن يضعها أمام الشعب بعد نزوله من جبل سيناء "لا تسئ إلى أرملة ما ولا يتيم"، وعاد موسى النبي وذكّر الشعب، قائلًا "لا تعوّج حكم الغريب واليتيم إذا حصدت حصيدك في حقلك ونسيت حزمة في الحقل فلا ترجع لتأخذها للغريب واليتيم والأرملة تكون، لكي يباركك الرب إلهك في كل عمل يديك"، وبذلك أكد موسى النبي أن الناموس يحامي عن حقوق اليتيم.
قول داود النبي وهو يتغنى بإله الرحمة "غنوا لله رنموا لاسمه.. أبو اليتامى وقاضي الأرامل في مسكن قدسه".
 
رعاية القرآن لليتيم
أما نصوص االقرآن الكريم، فقد احتفت باليتيم وحذرت من قهره ودعت للاحسان اليه واكرامه ومنها نصوص:
1- {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} الأنعام 152
{وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} الإسراء34
{كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ } الفجر17 ، {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ }الضحى ،  {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ }الماعون2
{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ }البقرة215
{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } النساء10
أما السيرة النبوية فقد ركزت وحفزت على كفالة اليتيم وجعلت من هذه الكفالة ضمانا لدخول الجنة كما قال الرسول عليه الصلاة السلام (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى).
اتمنى ان نكون جميعا ممن يرزقون الجنة بكفالة اليتيم ن ونرعى اليتامي ونعطف عليهم طوال العام وليس يوما واحدا في السنة.


الأحد، 31 مارس 2019

تلوث مصادر المياه العربية كارثة تدمر الإنسان والحيوان

 يجيء احتفال الأمم المتحدة باليوم العالمي للمياه سنويا في 22 من مارس الجاري لإبراز أهمية الحفاظ على المياه وحسن إدارتها وإثارة الوعي بالحفاظ عليها وحسن إدارة مواردها تحقيقا لأهداف التنمية المستدامة بضمان إتاحتها للجميع بحلول عام 2030.


وفيما قدرت الأمم المتحدة عام 2010، الحق فى الحصول على مياه شرب مأمونة ونقية، وخدمات الصرف الصحى، هو حق من حقوق الإنسان ولا بد منه للتمتع التام بالحياة وبجميع حقوق الإنسان، فإن هذا الحق لا يصل إلى الملايين من البشر لغياب المياه الصالحة للاستهلاك الآدمي نتيجة انتشار التلوث في البحار والأنهار والمحيطات بفعل التدهور البيئى وتغير المناخ والنمو السكانى والصراعات والنزوح القسرى وتدفقات الهجرة.

ولما كان الماء هو مصدر الحياة لكل المخلوقات الطبيعية كما قال الله تعالى في محكم كتابه "وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون" صدق الله العظيم، حيث يعد الماء بأنواعه العذب المكوّن الأساسي لتركيب مـادة الخلية الحية في الإنسان والحيوان والنبات، فإن تلوث مصادره، وما تخلفه من أمراض تنتقل من الماء إلى كل الكائنات الحية.

وقد زادت معدلات تلوث المياة في البحار والأنهار والميحطات بشكل متنامي بعد الحرب العالمية الثانيـة، نتيجـةً لزيادة الإنتاج الصناعي ومخلفاته من الأحماض والمعادن والقلويات والأملاح والزيوت بجانب المخلفات الإنسانية أو النباتية أو الحيوانية أو المعدنية أو الصناعية أو الكيماوية التي تُلقى أو تُصبّ في  المجاري المائية  كالبحار أو البحيرات أو الأنهار أو المياه الجوفية.

ويتخذ تلوث المياه  أشكال مختلفة ـ كما ذكرها العلماء المختصين، ومنها  استنـزاف كميات كبيرة مـن الأوجميلجين الذائب في مياه المحيطات والبحار والبحيرات والأنهار مما أدى إلى تناقص أعداد الأحياء المائية. وكذلك زيادة نسبة المواد الكيماوية في المياه مما يجعلها سامة للأحياء.

ويتسبب نمـو الجراثيم والطُفَيليّات والأحياء الدقيقة بالمياه تقليل قيمتها كمصـدرٍ للشـرب أو ريٍّ للمحاصيل الزراعية، أما مياه البحيرات المالحة فقد تلوثت هي الأخرى بالزئبق والزرنيخ والنحاس وغيرها، بينما انتقل التلوث إلى المياه الجوفية بفعل تسرب مياه المجاري ومياه الصرف إليها وما تحتويه من الميكروبات ومركبات كيماوية، تكسب المياه الجوفية رائحة كريهة ومذاقا غير مستساغا.
وانتقلت عدوى التلوث بدورها إلى المحيطـات والبحار نتيجة تنظيف البواخر وتسرب زيت النفط  في المحيطيين الهادي والهندي، وهو ما يؤدي إلى تكوين طبقة عازلة تمنع التبادل الغازي بـين الماء والهـواء، فتمنع وصول الأوجميلجين إلى الكائنات البحرية ويصيبها بالأمراض وقد يتسبب في نفوقها وتلف النبات.

وكما يؤكد العلماء، فإن البحار مسؤولة عن إنتاج نصف ما يحتاجه الإنسان من الأوكسجين، وتساعد على إيجاد التوازن الغذائي لثاني أجميليد الكربون، وأي تلوث في هذه البحار يؤثر في إنتاجها للأوكسجين ويخل بالتوازن البيئي.
 
تلوث المياه العربية
تتعرض العديد من البلدان العربية لكوارث بيئية تلوث مائها خاصة نهر النيل في مصر والأنهار في لبنان والعراق  تتسب انتشار الأمراض ونفوق الأسماك والكائنات البحرية الضرورية لاستمرار التوازن البيئي، وناهيك عن النقص الحاد في المياه الضرورية الصالحة للشرب والزراعة.
 
الأمرض المعوية والكبدية
ففي مصر تعددت مصادر تلوث شريان الحياة نهر النيل نتيجة القاء الناس مخلفاتهم المنزلية والحيوانات النافقة في النيل، ومصادر صناعية ناتجة عن طرح المصانع مخلفاتها بما تحتوبه من مواد سامة في النهر بما يؤثر سلبا على سلامة  الكائنات البحرية وأيضا المحاصيل الزراعية التي تروى بماء النيل.

وهناك مصادر زراعية  للتلوث تنتج  عبر استخدام  المبيدات الزراعية والأسمدة الكيماوية في  التربة وهذه العناصر تتحلل في باطن الأرض وتصل لمياه نهر النيل فتلوثها بالعديد من المركبات السامة كالتيتانيوم والمنجنيز. بجانب نمو بعض أنواع النباتات السامة في المياه، مثل نبتة وردة النيل السامة والضارة، وهي تتكاثر وتنمو بسرعة وتستهلك جزءا مهما من مياه النهر وتسبب في انتشار العديد من الأمراض مثل البلهارسيا والملاريا الكبدية، كما يعرض الثروة السمكية للموت، وخاصةً التي تتغذى على العوالق البحرية والنباتات.
 
السرطان وانعدام الطحالب
ففي لبنان أظهرت دراسة أجرتها مصلحة الأبحاث الزراعية، أن مياه لبنان بمعظمها ملوثة بنسب متفاوتة، تلوثا جرثوميا وكيميائيا وبالمعادن الثقيلة ومنها الزئبق السام، ووصلت  نسبة التلوث في بعض الشواطىء خاصة الصناعية نسبة 100%، ومنها بيروت وعكار وبعض مناطق الجبل والبقاع" .

ويطال التلوث مختلف الأنهار والشواطىء ومنها  نهر الكلب وانطلياس وبيروت والليطاني والبردوني والغزيل.

وكشفت الدراسات ايضا عن ان  تلوّث نهر الليطاني (يستفيد منه ثلث اللبنانيين) وبحيرة القرعون بلغ حد عدم إمكانية لاستعمال مياههما سواء للريّ أو الشرب. رصدت هذه الدراسة التي أعدها المجلس الوطني للبحوث العلمية بلبنان وجود 4 مصادر للتلوّث، هي النفايات المنزلية والمخلفات الطبية، ومياه الصرف الصحي، فضلاً عن المنشآت الصناعية التي تطرح نفاياتها الملوثة بالمبيدات والمخلفات المعدنية في حوض النهر، بجانب المبيدات الكيماوية الزراعية غير القابلة للتحلّل وتصل للأنهار.

وتوجد، بحسب الدراسة ذاتها ـ في بحيرة القرعون ثلاثة أنواع من الجراثيم البكتيرية الخطيرة من نوع Cyanobacteria ظهرت للمرة الأولى عام 2007، وتتغذّى من النترات والفوسفات وتفرز سموماً وتقضي على كلّ أشكال الحياة، فيما أكدت التجارب العالمية التي أجريت عليها صعوبة التخلّص منها. وهو ما أدى إلى انعدام وجود الطحالب في القرعون بعدما كان يوجد نحو 160 نوعاً منها، كذلك تراجعت أنواع الأسماك من 110 أنواع إلى نوع واحد. فيما تراكمت الرسوبيات في قعر البحيرة. وتسبب هذا التلوث في ظهور وارتفاع نسبة الإصابة بمرض السرطان وسط سكان هذه المنطقة.
 
كما ترددت اخبار عن رمي المخلفات الطبية الملوثة في الأنهار و البحار مثل الحقن الطبية وغيرها مما ينقل الجراثيم و الأمراض بخطر شديد على البشرية
التسمم ونفوق الاسماك

أما حال التلوث المائي في العراق فقد بلغ مستويات شديدة الخطورة، خاصة بعد انخفاض منسوب المياه، عقب إقامة السدود التركية والإيرانية والتي أدت إلى ارتفاع نسب التلوث في نهاية الأنهار، مما تسبب في تسمم آلاف الحالات إثر تلوث مياه الشرب في محافظة البصرة.
كما شهدت العراق في الأشهر الأخيرة ظاهرة نفوق الأسماك بشكل لافت للنظر، وكشفت منظمة الصحة العالمية عن سبب ظاهرة نفوق الأسماك، والمتمثل في ارتفاع نسب المعادن الثقيلة والأمونيا والبكتيريا القولونية (coliform bacteria) في مياه نهر الفرات.
 
ناهيك عن رمي المخلفات الصناعية او مخلفات المطاعم اضافة لعدم وعي المواطنين بالحفاظ على نظافة النهرين

اضافة لما مرت به العراق من حروب و تلوث حربي كان من الممكن إنقاذ ما يمكن انقاذه من البيئة
انقاذ حياتنا

لما كان الماء بأنواعه عذب ومالح هو اساس في استمرار حياتنا على الكرة الارضية، فالمحافظة على نقائه وتوزانه الطبيعي يمثل ضرورة لحياة الانسان، ولكن بعد ان و قعت الفأس الرأس ـ كما يقال في الاثر الشعبي ـ وتلوثت مصادر المياه فليس أمامنا سوى معالجة الامر و محاولة تنقية المياه و تنظيف الأنهر و البحار والمحافظة على ما تبقى من مياه صالحة للاستهلاك الادمي، ومحاولة انقاذ المياه الملوثة بمعالجتها باحدث النظم العلمية العالمية، مع العمل الحازم لوقف استمرار مصادر تلوث المياه ووضع قوانين صارمة و عقوبات مشدده لمن يفعل مثل هذه الأفعال
وفي تقديري ان الحكومات خاصة فى بلادنا العربية التي ارتفعت فيها نسبة الملوثات في المياه لدرجات مخيفة، مطالبة بالاسراع في وضع خطط واسترتيجيات قصيرة وطويلة الاجل لانقاذ ما يمكن انقاذ في حياتنا المائية، على ان تكون هذه الخطط جاهزة للتطبيق الفعلي على الارض لتؤتي ثمارها بأسرع وقت وهو ما يستلزم معه سن تشريعات وطنية حاسمة ورادعة لكل ما يمس الامن المائي من التلوث.
   
تغيير الثقافة
في تقديري ان مشكلة تواجه البشر تنبع من سيطرة رؤى وافكار تدفعه لاستغلال الطبيعة ومياهها لتحقيق مكاسب مادية سريعة، وهذه الرؤية قد اهلكت الطبيعة وانهكتها وقد تقضي على أية احلام في التنمية البشرية مستقبلا كما في الزراعة .

وهنا اتصور ان المجتمع الانساني بعامة والعربي بخاصة في اشد الحاجة الى تغير رؤيته الثقافية وفلسفتها في التعاطي مع الطبيعة ونعمة مياهها، لتتحول الى نظرة اكثر رفقا بلامياه واكثر محافظة عليها من نظرة الاستغلال الاقنصادي والمكسب المادي السريع الذي يفتك بالبشرية والكونية وخيراتها.

فالحكومات العربية، مطالبة بتبني فلسفة ترعى صحة الانسان قبل ان ترعى منظومة اقتصاده، هذا يعني وقف اي نشاط اقتصادي من مصانع وغيره بجوار مجاري الانهار والبحار ، ونقل ما هو قائم من هذه المصانع الى اماكن بعيدة عن الانهار، و الاسراع بممارسة رقابة مشدد على المصانع التي لا تقوم بمعمل معالجات صحية لمخلفاتها الصناعية وتشديد العقوبة على مخالفيها.

ونشر الوعي الثقافي الكامل عبر كل وسائل الاتصال الحديثة والقديمة كالمؤسسات التربوية والتعيلمية والدينية والرياضية بأهمية الحفاظ على المياه من التلوث وشن حملات توعوية باهمية النظافة في المجتمع الاسري بصفة عامة، والوعي بمخاطر القاء مخلفات المنازل  ومخلفات الانسان او النبات في مياه الانهار والبحار، وشن حملات توعوية اخرى لعدم إلقاء المواد البلاستيكية في المياه وتوضيح نتائجه الضاره حيث تقتل الأسماك والطيور.

وإيجاد توصيـلات لنقل المياه الملوثة مـن أماكن تواجدها إلى المنخفضات مع الإكثار من حملات التشجير التي لا تحتاج إلى ري بالماء إذ إنها تصل بجذورها إلـى المياه الجوفية الموجودة فـي باطن التربة.

ولابد للحكومات العربية ان تمارس دورها الرقابي على المزارعين وتحدد أماكن رشّ المبيدات التي تستعمل للمحاصيل الزراعية في الاماكن البعيدة عن البحيرات و السدود والقنوات والأنهار.
وفي تقديري ان ازمة تلوث المياه تمثل كازمة انسانية عامة لابد وان تتعاون فيها الشعوب والحكومات معا في انقاذ ماء الحياة، ومن ذلك التعاون في معالجة مياه الصرف الصحي قبل أن تصل إلى المسطحات المائية، وكذلك التخلص من النفط ومخلفات السفن في الصحراء عن طريق الحرق، بعيد عن طرحها في المسطحات المائية حفاظا على مياه البحر وثروته السمكية وكائناته البحرية.

وكذلك التعاون في مجال إعادة تدوير النفايات بدل من إلقائها في مياه البحر، ومنع  تصريف المياه الحارة الناتجة عـن المفاعلات النووية أو مراكز التحلية أو توليد الطاقة، إلى الأنهار والبحار، وهو ما يتطلب عقد اتفاقيات دولية لتحقيق هذا الهدف الضروري.


الأربعاء، 20 مارس 2019

عياد الربيع فرحة بالخصب والنماء وسط تغير مناخي كارثي

 تحتفل العديد من شعوب العالم في الحادي والعشرين من مارس الجاري بأعياد الربيع، حيث الاعتدال المناخي وتفتح الازهار، وخروج الانسان والحيوان وكل الملخوقات من كآبة الشتاء وقسوة طقسه، الي الطبيعة ودفئها وعبيرها وحريتها وانطلاقتها بعد بياتها الشتوي.


وتتنوع مظاهر احتفال الشعوب بأعياد الربيع وهي اعياد قديمة ومتوارثة عبر الحضارات بحسب معطياتها الثقافية والتراثية، سواء فى مصر الفرعونية أو فى بلاد مابين الرافدين العراق وسوريا أو فى  إيران وفى آسيا الصغرى (تركيا) وفى باقى دول آسيا الوسطى الإسلامية. وكذلك هو فى الأجندة الغربية الرومانية.

فالربيع  كان اهم أعياد السنة  لدى الشعوب قديما باعتباره رمزا لأمان الطبيعة ورمز لجلب خيراتها حيث الخصب والنسل والألوان. ولذلك مثلت  بداية الربيع هى بداية السنة لدى عدد من الأقوام القديمة وعلى رأسهم البابلييين الذين اشتهروا بعلوم الفلك والآشوريين الذين كانوا اول من احتف بالنيروز عيدا لرأس السنة الشمسية.
 
الاضطربات المناخية
غير ان هذا الاعتدال المناخي السنوي للربيع باعتباره فصال يقع بعد انتهاء الشتاء بظلمته وبرده، وبين الصيف اللاحق بحرارته القائظة، قد تغير موعده ومظاهره خلال السنوات الماضية حيث ارتفعت درجات الحرارة فيه لنسب غير مسبوقة في السنوات القليلة الماضية، بينما جاء  الربيع هذا العام  قبل موعده بأسبوعين في بعض مناطق العالم، ويجيئ للبعض الاخر من دول العالم ومنها منطقتنا العربية مصحوبا ببرودة في الطقس وكأننا لا نزال نعيش في الشتاء.
فما الذي حدث لفصول السنة من تغيير؟ وما هو التغير المناخي وكيف يربط المتخصصون هذه التغيرات في الفصول بالتغيرات المناخية والكوراث البيئية؟ وهل سيأتي يوما يختفي فيه فصل الربيع بطقسه البديع والوانه الزاهية وتفتح ازاهيره؟
تعر ف التغيرات المناخية بأنها اختلاف المناخ الذي اعتدنا عليه، وهو ما تجلى في اختلاف بداية الفصول عن مواقيتها الرسمية، فأصبح فصل الصيف أطول مما اعتدنا عليه، وفصل الشتاء أقصر بكثير من الماضي، أما فصل الربيع فباتت درجة حرارته مرتفعة ليلا ونهارا على عكس المتعارف عليه.
فظاهرة تغير المناخ تعني اختلاف في الظروف المناخية المعتادة كالحرارة وأنماط الرياح والمتساقطات التي تميز كل منطقة على الأرض، ويؤدي حجم التغيرات المناخية الي حدوث تأثيرات هائلة على الأنظمة الحيوية.
وهذا قد يفسر لماذا بدأ الربيع مبكرا في مصر هذا العام، بحسب ما أكده المتخصصون في المناخ والارصاد الجوية، موضحين ان الربيع يوم 13 مارس في مصر، في سابقة مناخية لم تشهدها البلاد  من قبل، بينما نشعر في الاردن ببرودة الطقس  في هذا التوقيت، وذلك  بفعل التغيرات المناخية.
لأول مرة يأتي فصل الربيع في مصر بدون هبوب رياح الخماسين، وهي ظاهرة معروفة منذ أيام الفراعنة، بجانب ظواهر ارتفاع شديد في درجات الحرارة يعقبها انخفاض موازي في درجة الحرارة مباشرة نتجة تداخل الفصول.
الدراسات الحديثة كشفت عن ان الاحتباس الحراري الناجم عن التغير المناخي سيؤدي الى حلول فصل الربيع قبل ثلاثة سابيع من موعده الاعتيادي في العقود المقبلة في الولايات المتحدة، من الجانب نفسه قال مكتب الأرصاد الجوية البريطاني في تقرير إن درجات الحرارة القياسية وتغير الأنماط المناخية في محيطات العالم من بين المؤشرات التي تؤكد انتهاء فترة هدوء في الاحترار العالمي.
فيما قالت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة إن العام الماضي كان الأكثر حرارة منذ بدء تدوين مثل هذه السجلات في القرن التاسع عشر وشهدت دول منها صربيا وبنجلادش وباكستان وجنوب افريقيا والمغرب والبرازيل فيضانات عارمة.
كما أثبت العلماء ان تغير المناخ يؤثر على نمو النباتات، مع بداية النمو في فصل الربيع، في وقت مبكر من كل عام، وحتى الآن.
هذا يعني ببساطة ان العالم يعبش كوارث بيئية لابد وان يتكاتف في ايجاد حلول عملية سريعة لمواجهتها، وهذا ما بدأ بالفعل، ولكن علي أيدي ناشطين صغار من طلاب المدراس في مناطق مختلفة من العالم، حيث نظموا أكثر من 1600 فعالية في اكثر من مائة دولة احتجاجا علي تغير المناخ وكوارثه، وانطلقت اولي  في 15 مارس الجاري بخروج آلاف التلاميذ في إضراب مدرسي عالمي ضد تغير المناخ في نيوزيلندا لحث الحكومة على اتخاذ إجراءات ضد التغير المناخي.
 
احتفالات الربيع
وبالعوة الي احتفالات العالم بأعياد الربيع نجد انها احتفالات قديمة ومتوراثة ومتواصلة حتي اليوم، فلا يزال النيروز لدى العراقيين بكل طوائفهم   عيدا رامزا لضوء الصباح يحتفلون به في أشكال مختلفة منها حضور الحفلات والصالونات الثقافية ومشاهدة البرامج التثقيفية وأكل الحلويات العراقية الشهيرة.
أما  الشعب الكوردي، فيحتفل بين 18-21 مارس وينطقونه ( نوروز) ويعتبرونها أحد الأعياد القليلة القديمة التى ظلت حتى الآن يحتفل بها. وترتدى النساء فيه ثيابا شديدة البهجة وتضع أغطية رأس ملونة زاهية  بينما يلوح الشباب بأعلام ملونة أمام النار التى يوقدونها بقية من تراث قديم.
كما ان لأكراد يعتبرونه عيدا قوميا وطنيا ويصفونه بعيد الربيع وعيد الارض، حيث بدأ الكرد في هذا اليوم تقويمهم.  فهذا اليوم عند الكرد قد اتحد فيه أسلافهم الأكراد وثاروا  ضد القوة العظمى الممثلة بالامبراطورية الآشورية والتى كانت آنذاك هى المسيطرة على المنطقة كلها من فارس وحتى فلسطين وقام أحدهم ويدعى " كاوه" وقبض على عنق الملك "ضحاك" الشرير الظالم، فى يوم رأس سنة 612 قبل الميلاد بعد أن اخترق الحرس ودق رأسه بشاكوش وجره بعيدا عن العرش  فانهارت المملكة الاشورية وانتصر الكورد وحصلوا على استقلالهم و(أضرمت نار عظيمة فوق الجبال) ومازالت النار الكبيرة من معالم الاحتفال الكردى بالمناسبة.
وفى أفغانستان يحتفلون بالنوروزو شعبيا لمدة أسبوعين ويبدأ التحضير له بعد آخر أربعاء قبل رأس السنة، ومثل باقى الشعوب يقوم الأفغان والأكراد والتركمان والقازاق والإيرانيون وباقى الشعوب بنتظيف البيوت تنظيفا دقيقا، وذلك اعتقادا بأنه  قد تزورهم ارواح ذويهم الموتى فيعرفون أنهم على أحسن حال.
ترتدي هذه الشعوب جميعا الثياب الجديدة البهيجة ويتزاورون ويتبادلون الهدايا ويتناولون مأكولاتهم الشعبية القديمة الخاصة بكل منهم وان كان يغلب عليها أنواع الطعام الفارسية التى توضع على طاولة الطعام ويحرص أن تحتوى على7 أصناف تبدأ بحرف السين فتسمى (السبعة أو هفت سين) وبينها القمح والتفاح والبودنج وغيرها. وفى افغانستان يضعون السبعة من الفواكه المجففة بينها الزبيب والمشمش فى شراب واحد.
اما عيد الربيع في مصر يعود تاريخه الي 2700 سنه قبل الميلاد، وهذا يعنى أن عمره إلى الآن 4700 سنه مما يجعله اقدم عيد شعبي بالربيع يحرصون فيه علي الخروج للحدائق العامة والمتنزهات، كما تتجمع الأسر والأصحاب والعائلات لقضاء يوما اسريا جميلا.
كان الفراعنة يعتقدون أن ذلك اليوم هو أول الزمان أو بدء الخلق للعالم، ولذلك أطلقوا عليه اسم "عيد شموش" أي بعث الحياة، وحُرِّف الاسم على مر العصور، حيث تحول في العصر القبطي إلى "شم"، ولارتباط العيد ببداية موسم اعتدال الجو وطيب النسيم فقد أضيفت إليه كلمة النسيم نسبة إلى نسمة الربيع التي تعلن وصوله ليصير عيد شم النسيم أو عيد الربيع.
وتشير البرديات بأن قدماء المصريين كانوا يقيمون احتفالاً رسمياً وكبيراً بهذا العيد "بعث الحياة"، فيجتمعون قبل الغروب أمام الهرم من الناحية الشمالية ويترقبون قرص الشمس وهو يتجه للغروب مقترباً تدريجياً من الهرم، وبادياً للناظرين وكأنه يعتلي قمته وتبدو واجهة الهرم حينئذ كما لو أنها منشطرة نصفين جراء اختراق أشعة الشمس لها.
ويتوارث الشعب المصري الاكلات الفرعونية مثل البيض، والفسيخ (السمك المملح)، والخَس والبصل الأخضر، وكل من هذه الأطعمة كان له معنى ومدلول عند قدماء المصريين، إذ يرمز البيض إلى خلق الحياة، ويرمز البصل لديهم إلى إرادة الحياة وقهر الموت والتغلب على المرض، فيما كان الخس من النباتات المقدسة.
واعتبر الفراعنة أن تناول الفسيخ (السمك المملح) في هذه المناسبة يعبر عن الخصوبة والبهجة ورمز للخير والرزق.
وفى سلطنة عُمان (بضم العين ) يحتفل  بتحضير خلطة معينة يعتقد أنها تحمى الإنسان باقى العام من الأمراض والعين .
ويحتفل التركمان فى كركوك العراقية وفى تركمنستان فى الحارات والأزقة بغناء الأطفال مع حمل المشاعل  فى الشوارع وعلى اسطحة المنازل، كما يكسرون الجرار (وراء العام الفائت) إيذانا ببدء عام جديد مع الفرح وزوال الحزن.


الثلاثاء، 19 مارس 2019

اطفال العراق بعد داعش مسؤولية انسانية عالمية

 دفع الطفل العراقي  ولا يزال يدفع فاتورة الاطماع السياسية الدولية والفتن الدينية والعرقية دون وجود مؤشرات حقيقة على وقف نزيفها الدامي، وامام مشهد عالمي مخزي يقف العالم متفرجا على هذه المآساة الانسانية.


هذا الطفل البرئ اكتوى مبكرا باليتم، و ذاق مرارة الحرمان من منزله الآمن وتشرب كأس النزوح عن موطنه الى المخيمات، ناهيك عن تعرضه لانواع مختلفة من الأذى النفسي، بل والتعذيب او الاعتداء الجسدي وغيرها من مواجع لا نقدر نحن الكبار على تحمل جزء منها كأطفال اليزيديين و المسيحيين و اطفال الموصل و غيرهم .

ففرارهم من قراهم بعدما شاهدوا بأم أعينهم  الجثث تملأ الشوارع والدماء يكسي كل مكان، بينما تتساقط القنابل كزخات المطر فوق منازلهم، فأي خوف قد تملكهم بعد هذه الجرائم الوحشية؟ لاشك ان كل مشاعر الخوف والفزع قد أصابتهم في مقتل فصاروا نهبا لكل انواع الكوابيس المفزعة حتى بعد رحيل داعش.

ولا شك ان غياب البيئة الآمنةالمحتضنة لاطفال العراق، وتعرضهم لانتهاكات صارخة جعل منهم قنابل موقوتة قد تنفجر في وجه المجتمع العراقي والاقليمي، بل والدولي في أي وقت مالم تتضافر جهود الحكومة العراقية ومؤسساتها مع مؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات الدولية في وضع خارطة طريق عملية لاحتواء ضحايا العراق من الاطفال.

واليوم بعد دحر ارهاب داعش، فان معالجة اوضاع اطفال العراق يجب ان تكون لها أولوية لانها مرتبطة بمستقبل العراق القريب، وأي تجاهل لاوضاع هذه الطفولة البائسة يعني تدمير مستقبل العراق نفسه.

الواقع العراقي يعكس حقيقة وجود ملفات عديدة شائكة تخص الطفولة من بينها من يسمون بأشبال الخلافة، بعضهم تعلّم القتل والذبح والاغتصاب، بعضهم الآخر وُلد في مناطق الإرهاب، وغُسلت أدمغته، وهو ما يتطلب الاسراع في معالجتهم نفسياً وتأهيلهم للاندماج في المجتمع حتى لا يتحولوا الى  خلايا نائمة تهدد أمن  واستقرار العراق مجددا.

فاطفال داعش تم استغلالهم بوحشية بدفع الى ساحات القتال بتأثيراتٍ من ذويهم الذين خدعوا بشعارات  داعش، وبعضهم الآخر ولدوا في الجبهات من زيجات غريبة أو من عمليّات اجبارية وسبيٍ وغيرها.

هؤلاء الضحايا من الاطفال يعانون، كما تذكر المؤسسات الاقليمة المتخصصة من امراض نفسية خطيرة منها اضطراب الكرب الحاد، "اضطراب الشدة النفسية مما يدفع بعضهم الى تكرار مُحاولات الانتحار.

فالعنف الذين نشأ وتربى عليه هؤلاء الاطفال الابرياء سواء كان عنفا فكريا عبر غسل ادمغتهم او عمليا تسبب في  تشوه القيم الفطرية للسكينة والسلام  لديهم، فلذلك فانهم غالبا ما يلجأون الى العنف في  معاملتهم مع الاخرين بعد ان شاخت مشاعرهم قبل الآوان من هول ما تعرضوا له.

وفي تقديري، فان المؤسسات المتخصصة في العراق يجب ان تبدا بعمليات غسيل أدمغة موازية خلال معالجاتها لافكار هؤلاء الضحايا من الصغار، سواء من خلال مفكرين قادرين على اعادة صياغة فكر هؤلاء الصغار او رجال دين وسطيين بعيدين كل البعد عن مفاهيم المذهبية والطائفية، وكذلك معالجين نفسيين واجتماعيين وتربوين متخصصين في هذا المجال من العلاج النفسي واعادة التأهيل الاجتماعي.

ولأن أعداد هؤلاء الاطفال الضحايا كبيرة جدا، في مقابل قلة عدد الاخصائيين  النفسيين والاجتماعيين، فان العراق في أشد الحاجة الى المساعدة الدولية من كافة المؤسسات المتخصصة في حقل الطفولة، بجانب حاجة العراق ايضا الى ميزانية مادية للانفاق على برامج وعمليات معالجة هؤلاء الضحايا من اضطربات ما بعد الصدمة حتى لا تنتقل عدوى عنفهم واضطراباتهم السلوكية العدوانية الى باقي اطفال العراق.

وفي تقديري ان أزمات أطفال العراق تتطلب تعاون انساني دولي باعتبارها كوارث انسانية، ومن ثم فانه يجب إعادة تأهيل الأطفال والنساء بوصفهم ضحايا داعش، وهو ما يستدعي سرعة تحرك الجهات المختصة   لحل هذه الكارثة الانسانية، وان تتعاون مع الحكومة العراقية في وضع برنامج لاعادة تأهيل هؤلاء الضحايا وتتولى الاشراف عليه وتدعمه ماديا ومعنويا لحماية حقوق الاطفال التي جزء اصيل من حقوق الانسان في حياة أمنة.

الثلاثاء، 12 مارس 2019

‎في يوم المرأة تحية للنساء العربيات

 * ‎الصامدات بمناطق الحروب وحارسات المقدسات


‎جاءت مشاهد الاحتفال باليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس الجاري، والتي بثها الفضائيات  وقنوات التواصل الاجتماعي، عاكسة لمظاهر كرنفالية تارة مثل مشاهد تقديم الورود للنساء في روسيا وايطاليا، ومظاهر احتجاجية تارة اخرى عبرت عنها  حوالي 6 ملايين امرأة إسبانية خلال مسيرتهن للمطالبة بالمساواة في الأجور.

‎بينما عبرت نساء البرتغال  والهند وأندونيسيا في مسيراتهن، عن رفضهن للعنف والاعتداءات الجسدية والتمييز في الوظائف.

وبين الاحتفال الكرنفالي والاحتجاج لاكتساب الحقوق في المساواة وقهر التمييز، قدمت وزيرة الدولة الألمانية لشؤون الأسرة وكبار السن والمرأة، فرانسيسكا جيفى صورة ملفتة للانظار في ذلك اليوم، حيث شاركت عمال شركات النظافة فى جمع القمامة من أمام المنازل.

ورغم ان البعض قد قرأ هذه الصورة على انها اهانة للمرأة في يوم عيدها، الا انني رأيت فيها قيما عليا تتمثل اولا في ان الوزيرة الالمانية عكست صورة المرأة الواعية الاكثر تواضعا، وهو ما يحتاجه عالمنا اليوم لكي يخرج من ظلام التعالي والجبروت، ثانيا انها قامت بخدمة وطنها، وكما يقال في الاثر العربي، ان خادم القوم سيدهم فضربت بذلك أروع نموذج للتفاني في خدمة الوطن. ثالثا، فان قيام الوزيرة الأنثى بجمع القمامة يعني ان المرأة في كل مكان مهتمة  بقيمة النظافة كسلوك حضاري واخلاقي حثت عليه الاديان السماوية جميعا.
 
‎اعتراف
‎وفي سياق قرءاتنا لهذا اليوم أيضا، فان رسالة أنطونيو جوتيريس الأمين العام للأمم المتحدة، بمناسبة الاحتفال باليوم العالمى للمرأة 2019، تمثل اعترافا قويا بحجم المظالم التاريخية التي تعرضت لها المرأة في العالم، رابطا بين التقدم العالمي في السلام والامن والتنمية بالمساواة بين الجنسين وإعمال حقوق المرأة.

جاءت دعوة "جوتيريس" بالتصدي للمظالم التاريخية بحق المرأة انطلاقا من واقع مرير يؤكد استمرار الفجوات بين الجنسين في مجال العمل لم يشهد أي تحسن  يذكر منذ عشرين عاما، وذلك تقرير لمنظمة العمل الدولية.

والتقرير نفسه الصادر7 مارس الجاري، يحذر من أن العاملات لا يزلن يخضعن للعقاب بسبب إنجاب ورعاية أطفالهن، مشيرا  إلى أن 1.3 مليار امرأة كن يعملن في 2018 مقارنة بـملياري رجل، وهو ما يمثل تحسنا أقل من 2% خلال الـ 27 سنة الماضية.

في سياق متصل، فان البنك الدولي قد أصدر في 27 فبراير الماضي مؤشر عن دراسة "المرأة، أنشطة الأعمال والقانون، عدد من الإصلاحات" كشف فيه حقيقة ان النساء لا يحصلن سوى على ثلاثة أرباع ما يتمتع به الرجال من حقوق قانونية على مستوى العالم، مما يعوق قدرة النساء على الحصول على فرص عمل أو إنشاء الاعمال واتخاذ قرارات اقتصادية تصب في مصلحتهن ومصلحة عائلاتهن.

وهنا تؤكد كريستالينا جورجييفا القائمة بأعمال رئيس مجموعة البنك الدولي: انه " مازال هناك 2.7 مليار امرأة يواجهن قيوداً قانونية تحول دون حصولهن على نفس الخيارات الوظيفية المتاحة للرجال. وإنه من المهم إزالة القيود التي تعوق النساء ".
 
‎عربيا
‎على الصعيد العربي فان المرأة تواصل نجاحاتها في تقلد المناصب العليا كنائبة برلمانية ووزيرة وسفيرة، كما هو الحال مع الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان، التي عينت مؤخرا كأول سفيرة للسعودية في واشنطن ‎وكما تناهض المرأة العربية لتبني ذاتها وتحقق طموحاتها العلمية والعملية في شتى المجالات بشق الانفس، تقف المرأة العربية في مناطق الصراعات والحروب باليمن وسوريا وبالعراق.

المرأة الكردية والعربية ‎صامدة شامخة تبذل جهدها للحفاظ ‎على الوطن، وفي ايجاد لقمة خبز تطعم به اليتامى ومأوى لحمايتهم  في زمن لا يعرف الأمان. اما المرأة في فلسطين فهي حارسة على المقدسات.

‎فتحية عطرة للنساء الصامدات في مناطق الصراعات والحارسات علي المقدسات بالقدس الشريف.