الثلاثاء، 12 مارس 2019

‎في يوم المرأة تحية للنساء العربيات

 * ‎الصامدات بمناطق الحروب وحارسات المقدسات


‎جاءت مشاهد الاحتفال باليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس الجاري، والتي بثها الفضائيات  وقنوات التواصل الاجتماعي، عاكسة لمظاهر كرنفالية تارة مثل مشاهد تقديم الورود للنساء في روسيا وايطاليا، ومظاهر احتجاجية تارة اخرى عبرت عنها  حوالي 6 ملايين امرأة إسبانية خلال مسيرتهن للمطالبة بالمساواة في الأجور.

‎بينما عبرت نساء البرتغال  والهند وأندونيسيا في مسيراتهن، عن رفضهن للعنف والاعتداءات الجسدية والتمييز في الوظائف.

وبين الاحتفال الكرنفالي والاحتجاج لاكتساب الحقوق في المساواة وقهر التمييز، قدمت وزيرة الدولة الألمانية لشؤون الأسرة وكبار السن والمرأة، فرانسيسكا جيفى صورة ملفتة للانظار في ذلك اليوم، حيث شاركت عمال شركات النظافة فى جمع القمامة من أمام المنازل.

ورغم ان البعض قد قرأ هذه الصورة على انها اهانة للمرأة في يوم عيدها، الا انني رأيت فيها قيما عليا تتمثل اولا في ان الوزيرة الالمانية عكست صورة المرأة الواعية الاكثر تواضعا، وهو ما يحتاجه عالمنا اليوم لكي يخرج من ظلام التعالي والجبروت، ثانيا انها قامت بخدمة وطنها، وكما يقال في الاثر العربي، ان خادم القوم سيدهم فضربت بذلك أروع نموذج للتفاني في خدمة الوطن. ثالثا، فان قيام الوزيرة الأنثى بجمع القمامة يعني ان المرأة في كل مكان مهتمة  بقيمة النظافة كسلوك حضاري واخلاقي حثت عليه الاديان السماوية جميعا.
 
‎اعتراف
‎وفي سياق قرءاتنا لهذا اليوم أيضا، فان رسالة أنطونيو جوتيريس الأمين العام للأمم المتحدة، بمناسبة الاحتفال باليوم العالمى للمرأة 2019، تمثل اعترافا قويا بحجم المظالم التاريخية التي تعرضت لها المرأة في العالم، رابطا بين التقدم العالمي في السلام والامن والتنمية بالمساواة بين الجنسين وإعمال حقوق المرأة.

جاءت دعوة "جوتيريس" بالتصدي للمظالم التاريخية بحق المرأة انطلاقا من واقع مرير يؤكد استمرار الفجوات بين الجنسين في مجال العمل لم يشهد أي تحسن  يذكر منذ عشرين عاما، وذلك تقرير لمنظمة العمل الدولية.

والتقرير نفسه الصادر7 مارس الجاري، يحذر من أن العاملات لا يزلن يخضعن للعقاب بسبب إنجاب ورعاية أطفالهن، مشيرا  إلى أن 1.3 مليار امرأة كن يعملن في 2018 مقارنة بـملياري رجل، وهو ما يمثل تحسنا أقل من 2% خلال الـ 27 سنة الماضية.

في سياق متصل، فان البنك الدولي قد أصدر في 27 فبراير الماضي مؤشر عن دراسة "المرأة، أنشطة الأعمال والقانون، عدد من الإصلاحات" كشف فيه حقيقة ان النساء لا يحصلن سوى على ثلاثة أرباع ما يتمتع به الرجال من حقوق قانونية على مستوى العالم، مما يعوق قدرة النساء على الحصول على فرص عمل أو إنشاء الاعمال واتخاذ قرارات اقتصادية تصب في مصلحتهن ومصلحة عائلاتهن.

وهنا تؤكد كريستالينا جورجييفا القائمة بأعمال رئيس مجموعة البنك الدولي: انه " مازال هناك 2.7 مليار امرأة يواجهن قيوداً قانونية تحول دون حصولهن على نفس الخيارات الوظيفية المتاحة للرجال. وإنه من المهم إزالة القيود التي تعوق النساء ".
 
‎عربيا
‎على الصعيد العربي فان المرأة تواصل نجاحاتها في تقلد المناصب العليا كنائبة برلمانية ووزيرة وسفيرة، كما هو الحال مع الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان، التي عينت مؤخرا كأول سفيرة للسعودية في واشنطن ‎وكما تناهض المرأة العربية لتبني ذاتها وتحقق طموحاتها العلمية والعملية في شتى المجالات بشق الانفس، تقف المرأة العربية في مناطق الصراعات والحروب باليمن وسوريا وبالعراق.

المرأة الكردية والعربية ‎صامدة شامخة تبذل جهدها للحفاظ ‎على الوطن، وفي ايجاد لقمة خبز تطعم به اليتامى ومأوى لحمايتهم  في زمن لا يعرف الأمان. اما المرأة في فلسطين فهي حارسة على المقدسات.

‎فتحية عطرة للنساء الصامدات في مناطق الصراعات والحارسات علي المقدسات بالقدس الشريف.

الأربعاء، 6 مارس 2019

الطفولة العربية والمستقبل

 كل الامم والشعوب تزرع أولى أشجار نهضتها او قامة حضارتها المستقبلية انطلاقا من رعاية الطفل عقليا وفكريا وثقافيا، فطفل اليوم هو المستقبل.


ومن خلال انغماسي في شؤون الطفل سواء بالكتابه له او عنه وجدت ملاحظات كثيرة بإمكاننا إنجازها او تجنبها من خلال ما يصدر للطفل من وسائل ترفيه وتعليم عبر وسائل الاتصال ، وليس فقط الاعلام المرئي والمسموع والمقروء.
ففي ظل سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي واقتحامها عالم الطفولة اصبح هناك العديد من التحديات الجسيمة التي تواجه المتخصصين في عالم الطفولة والمهتمين بتنشئة الطفل بعقل وقلب سليم ونفسية صحية.
لو أردنا ذكر اهم الأشكال الفنية الموجهه للطفل وليس حصرا الرسوم المتحركة، الأغاني، قصص الاطفال التي تشمل قصص الحديثه او التاريخيه او التراثيه، وكذلك قصص الخيال العلمي، او التي تحتوي على حكم وأمثال شعبيه ونكت وافيهات؛ كلها تحتاج الى اعادة النظر بمحتواها ومدى تأثيرها سلبا وايجابا في تكوين شخصية الطفل.
كما تشكل افكار الطفل وثقافته معطيات كثيرة منها الألعاب الالكترونية، والبرامج مثل التوك شو ، والبرامج التعليميه والتثقيفية مثل افتح يا سمسم او المناهل في السنوات الماضيه، والقنوات الفضائية المتخصصة التي تبث طوال اليوم برامج متنوعة للطفل، والمواقع الالكترونية الموجهه للطفل، مجلات الاطفال، كتب الكوميكس.
فهذه المعطيات على كثرة تنوعها وأسالبيها في جذب الطفل اليها تشكل خياله وفضائه ورؤيته للعالم سلبيا او ايجابيا، وان كانت المناهج التعليميه من اكثر الوسائل تأثيرا على الطفل باعتبارها الاوسع انتشارا وصولا للطفل عن طريق المؤسسه التعليميه التي من المفترض انها اجبارية وبالتالي تصل لكل بيت.
لا ننسى، في هذا السياق، الاطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وما يقدم لهم عبر هذه الوسائل ومناقشة الكم والكيف المطلوب للنهوض بحالته الصحية والنفسيه عن طريق ما بقدم له بمراعاة ظروفه وقدراته وتنميتها وتطويرها.
حشو وغياب الكيف
ومن خلال مراقبتي لكل ما سبق وجدت تأخرا ملحوظا بالنوع والكم المقدم للطفل العربي، مقارنة بدول العالم. فالمواد المقدمة للطفل العربي تعاني ترهلا وحشوا غير مبرر بما يقدم للكبار من انتاج فائض بما لا يجدي نفعا و بما يضرالذوق العام و يتسبب في تدني الاخلاقيات والسلوك والآداب العامة.
وذكري لما يقدم للكبار في موضوع عن الطفل ليس اعتباطا، بل لان هذه البرامج اقتحمت عالم الطفولة واصبح الطفل من أوائل المتابعين لها، وربما يعود السبب آلى ان الطفل لم يجد ما يجذبه وما يرضي فضوله وما يتناسب مع زمنه وتطوراته، فطفل اليوم اصبح مطلعا على كل شيء، و واعيا بكل ما يدور حوله فذهب الى ما يقدم للكبار وقفز عن الطفولة بشكل مخيف.
فمن الطبيعي ان يعيش الانسان مراحل عمره بترتيب يتناسب مع ما يمكن ان يحتمله الطفل من قدر العبء والمسؤولية التي تلقى عليه اذا اقتحم عالم ليس عالمه، و بالتالي إنقاذ الطفل من اقتحام عالم الكبار وإعادته للطفولة يجب ان تكون من أوائل الاهتمامات.
وقد يرتبط جنوح الطفال لعالم الكبار بقلة عدد الكتاب والمؤلفين المهتمين بعالم الطفولة في عالمنا العربي، كما ان الاهتمام بكتاب الطفل ضعيف على الصعيد المادي والمعنوي والانتاجي فبالتالي هجر الكتاب الابداع للاطفال وانطلقوا لعالم الكبار كي يستطيعوا تأمين حياتهم اليومية وتحقيق نجاحاتهم.
والشق الثاني المرتبط بعدد الكتاب هو عدد الانتاج وهو مرتبط بعدد الكتاب ومرتبط بشركات الانتاج التي لا تسخى ابدا لاعمال الاطفال. ومن هنا وجب تدخل الانتاج المدعوم حكوميا حتى و ان كان الانتاج موجها فلا ضرر ان كان التوجيه ثقافي واخلاقي وتربوي ووطني بعيدا عن السياسه الا فيما يخص التثقيف السياسي و ليس التوجيه.
كما يجب على المؤسسات الثقافيه المختصة ان تدعم الانتاج للطفل لسد النقص شركات الانتاج الفنية الخاصة والتي لاتهتم الا بتحقيق الارباح المادية فقط، وقد يغري نجاح تجارب الانتاج الفنية الحكومية الموجهه للطفل، شركات الانتاج الخاصة في تعديل موقفها لتدخل معترك الانتاج الفني للاطفال.
العنف والجريمة
أي متابع للاعمال المقدمة للاطفال او التي يشاهدها الطفل في الاعمال المقدمة للكبار يجد واقعا مخيفا، قد تبدأ من سماع الأغاني الركيكة التي تستخف بعقلية الطفل واستخدام الألفاظ والعبارات التي لا ترتقي بالاخلاق والتحضر.
وعلى صعيد المشاهدة، فان المواد المعروضة على الطفل تحتوي مشاهد وافكار تحض على العنف وتحفز علي الجريمة وارتكابها، ناهيك عن افكار شيطانية تعبر عن رفض الاخر وعدم قبوله.
ويلاحظ ايضا التناقض الكبير بين افكار رفض الاخر في هذه الاعمال الفنية وبين تكريس الانفتاح علي قيم اجتماعية لا تتناسب مع قيمنا الاخلاقيه التي تقرها كل الديانات الموجودة على ارض بلاد العرب بمقاييس وسطية.
وكذلك التركيز على التراث في بعض المواد الفنية تسبب في وجود فجوة بين الماضي والحاضر لدى الطفل العربي فجعله حائرا هل هو ابن الماضي و كيف يمكن له الاندماج مع الحضارة والتمدن الذي يعيش ألفيته الثالثة؟
فطفل اليوم يفتقد لقيم القدوة الصالحة، ولا يجد لها في لسان الحال واقعا في زمنه، وما يطرح من قيم القدوة الصالحة لا يراه الا في معطيات الماضي، ومن ثم فان مثل هذا الاعمال الفنيةالتي تقدم صورة المثال والقدوة الصالحة رغم أهميتها فانها تقدم رساله للطفل بأن يبقى في جلباب التاريخ ومن ثم فانه يفقد الأمل في المستقبل.

واذا ما عرجنا على البرامج الدينيه، فاننا نجد ان بعضها يحث على التعصب والعنف والتشدد، في الوقت الذي نحتاج فيه تماسك مجتمعي تجمعه الوطنيه والهوية والمواطنة بعيدا عن ثقافة الكره والعداء والتكفير، حتي نستطيع العيش في سلام ونحفظ حريات الاخرين.

فثقافة العنف التي يتعرض لها الطفل العربي تدخل في كل شيئ يعيشه اليوم بما فيها الألعاب الالكترونيه التي باتت أضرارها تكشف رويدا رويدا بدءا من اهدارها للوقت مرورا بادمانها وتحريضها علي اكتساب العنف وممارسته وصولا للقتل.

وفي تقديري، فان الاعلام الذي يخاطب الطفل لابد وان يقوم برسالته كاملة في الارتقاء بالطفل، من حيث الخيال الجمال والابداع، وخلق روح المرح بداخله، وتنمية الفكر والمواهب، وتكريس قيم المواطنة والانتماء، والحث علي اكتساب المعرفة و التزود بالعلوم السلوك والآداب العامة. كما انه مطالب بغرس قيم الضمير لدي الناشئة لكي يفرقوا بين الخير والشر، مع التوسع في البرامج التي تنمي القدرات العقلية وتنشط الذكاء والعقل الذكاء والذاكرة.

الثلاثاء، 19 فبراير 2019

الامثال الشعبية ميراث انساني مشترك يختزل خبرات الحياة

 حقا اننا نعيش معطيات  مجتمع ما بعد الحداثة عبر فضاء تكنولوجي واسع الافاق وثورة اتصالات غيرت كثير من المفاهيم الاجتماعية والثقافية وجمعت بين ثقافات الشرق والغرب في لحظة كونية ممتدة عبر الاثير، فبضغطت زر واحدة على هاتفك المحمول قد تتواصل مع العديد من الاشخاص في العالم ومن مختلف الثقافات لكي تتبادل الرؤى وكل ماهو مشترك انساني.

ورغم هذه الحقيقة، فان ذواتنا الحضارية والمخزون الثقافي لكل واحد منا قد يطل برأسه في هذه اللقاءات الالكترونية، فالانسان عبارة عن مخزن للمعارف والعلوم والثقافة المتوراثة خاصة الثقافة الشعبية وعلى رأسها الامثال الشعبية التي نتشربها من أهالينا ومن مجتمعنا كما نشرب كأس الحليب كل صباح، خاصة وانها وسيلة لتعليم دروس فن الحياة بشكل حكيم وايضا مرح، وكما تتنازع مضامين الامثال بين الحث على الفضيلة ونبذ الرذيلة، فانها تسخدم اساليب متنوعة بين الجد والسخرية لتوصيل هذه المضامين لمتلقيها.
ولاغرابة ان نجدنا مصبوغين ومختومين بختم الامثال الشعبية لانها ببساطة تجري منا مجرى الدم في العروق عبر تداولها عبر الاجيال والحقب الزمنية باعتبارها مرآة تعكس عاداتنا وتقاليدنا وافكارنا وقيمنا الاخلاقية والدينية ورؤانا الاقتصادية والسياسية والفكرية والفنية، على ذلك يمكن اعتبار المثل فلسفة شعبية لمنظومة حياتنا.  
فالأمثال الشعبية تمثل خلاصة خبرات الشعوب وحضاراتها وثقافتها ومنجزات عقلها الجمعي قديما وحديثا ايضا بما تحتويه من حكمة الايام والخبرات الانسانية طوال عقود، ولعل ما يبقيها على قيد الحياة هو ما تملكه من خصائص فنيه كالايجاز والايقاع الموسيقي مما يسهل حفظها وتناقلها، ولذلك قال ابن المقفع: "إذا جعل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق وآنق للسمع وأوسع لشعوب".
 
المثل لغة واصطلاحا
المثل  في اللغة هو النظير والشبيه، كما تقول شَبهه، وشِبهه. واصطلاحا، فان  الأمثال هي العبارة الفنية السائرة الموجزة التي تضاع لتصوير موقفا أو حادثة ولتستخلص خبرة إنسانية يمكن استعادتها في حلة أخرى مشابهة لها مثل:" رب ساع لقاعد" و " ورجع بخفي حنين" و"الكلام لك واسمعي يا جارة".
كما يعرف المثل بأنه جملة قيلت في مناسبة خاصة، ثم صارت - لما فيها من حكمة - تذكر في كل مناسبة مشابهة، ويشترط  فيها الإيجاز وحسن التشبيه وإصابة المعنى وحسن الكناية.
وتنطلق الامثال الشعبية  من بيئة وفكر الجماعة الانسانية في اي مجتمع من المجتمعات البشرية لتعكس ببساطة موجزة وموحية نظرتهم للحياة، وهي نظرة مستقاة من واقع خبرتهم بها ومعايشتهم لها كواقع يومي مجرب مما يضفي عليها طابع الحكمة والديمومة، ولان خبرات الناس تنبع من واقع حياتهم وبيئاتهم، فان امثالهم تعكس طبيعة هذه البيئات المتنوعة، فأبناء البيئة الساحلية تصطبغ بصبغة بحياة البحر من مد وجزر وصيد وسفن وامواج عتية وسماء صافية ومعاني الاغتراب خلال رحلة البحث عن الرزق.
وتعكس الامثال الشعبية المستقاة من البيئة الزراعية قيم الاستقرار والتعاون ومن ثم التفاؤل بالمستقبل حينما يأتي وقت الحصاد بالخير الوفير "من زرع حصد "، بينما تعبر الامثال الصادرة عن البيئة الصحراوية قيم ومعاني الترحال بحثا عن العشب والماء وما يستتبعه من حاجة ملحة للصبر والتحمل.
 
خصوصية المثل
يتمتع المثل الشعبي  بالعفوية عبر استخدام لغة العامة السنة العامة وينفرد بابتعاده عن الرقابة وعدم معرفة قائله، كما ان ينطلق من تجربة وقصةانسانية فردية لكن مع تكرارها مع افراد أخرين يحولها لتجربة جمعية يشترك الكثير من الناس في معايشتها بحلوها ومرها مما يضفي عليها طابع انساني مشترك مثل "الحب اعمي".
ويستسيغ الناس المثل بكل سهولة لما يحتويه من بلاغة نافذة عبر عنها أبو اسحق النظام بقوله: " يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكتابة، فهو نهاية البلاغة.
 
الحكمة والمثل
تتشابه المثل والحكمة في كثير من الاحيان بسبب التقائهما في السرد والايجاز والسهولة والخبرة الانسانية، ومع ذلك فانهما يختلفان في الهدف والمصدر كما يقول الباحثون المتخصصون.
فالحكمة تعبر عن تجربة خاصّة يولّدها العقل بعد تحليلها؛ ليصل بعدد التحليل لحكمة يستفيد بها في حياته ويفيد غيره من خبرته، وقد عبر الخالق العظيم عن الحكمة بقوله تعالى "ومن اوتي الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا" فالحكمة ليست متاحة لأي شخص الا اذا كان عقلانيا حكيما. وقد عرفت الانسانية الكثير من الحكماء والحكم ومن امثلتها حكمة صينية لا انساها ما حييت وهي " من يعرف اكثر يغفر أكثر "، وفي عالمنا العربي جرت الحكمة مصبوغة بالشعر كما في أبيات المتنبّي: "إذا غامرت في شرفٍ مروم فلا تقنع بما دون النّجومِ.. فطعم الموت في أمرٍ حقير كطعم الموت في أمرٍ عظيم.
أما المثل فيكون نتاج لموقفٍ لحظيّ يُقال فيه قولاً فيصبح مثلاً، ولكنه قد يتقارب مع الحكمة إذا نتج عن تجربة مثل " لكل حيٍّ أجل، بعضُ الحُلُمِ ذلُ، يد واحدة لا تحمل بطّيختين، لن يصغي إليك أحدٌ حتّى تقول شيئاً خاطئاً ".
 
التقاءالامثال عالميا
من متابعتي لبعض الامثال العالمية وجدت ان الكثير منها يتشابه في  مضمونه وخبراته الانسانية بالامثال العربية، وهو ما يؤكد حقيقة ان الخبرة الانسانية المشتركة تتواصل بين الشعوب وتتجاوز حواجز المكان. وهناك الكثير من الامثال التي خرجت من البيئات الشرقية والغربية لكنها تعبر محتوى انساني  جلعها تنتشر في مكل مكان من ارض المعمورة، ومنها مجموعة الأمثال العالمية التي تدعو لاغتنام الفرصة مثل: (اطرق الحديد وهو ساخن)، و(اصنع كوخك والشمس ساطعة) وغيرها.
وكذلك تتشابك الامثال في المنطقة العربية، وتبعد عن القطرية بانتشارها الجغرافي في الميحط العربي كله مما يصبغ عليه صبغة انسانية مشتركة ومن ذلك العديد من الامثلة التي خرجت من البيئة الشعبية اللبنانية ولكنها عرفت طريقها لكل الشعوب العربية فصارت ملكا للجميع ومن ذلك: " آخر الطحين كركعة " ، "الحائط الواطيء كل واحد بيقفز عليه" ، و" ضربني وبكى وسبقني واشتكى " ، " اليد الواحدة لا تصفق... وغيرها.
ومن نماذج الامثلة الاجتماعية التي تعكس الخبرة البشرية المثل السويسري " من هز بيت جاره.. سقط بيته " وقد يقترب معها في المعنى المثل الشعبي العربي "اللي بيته من ازاز ما يحدفش الناس بالطوب " ، والمثل الايطالي " قناعتك نصف سعادتك " يلتقي في مضمونة بالمثل " القناعة كنز لا يفني ".
وكذلك المثل البولندي " فعل الخير مع ناكر الجميل مثل إلقاء ماء الورد في البحر" تقابلها بيت زهير بن أبي سلمى حكيم شعراء العرب " ومن يصنع المعروف في غيره اهله يكن حمده ذما عليه ويندم ".
اما المثل الفرنسي " إذا أردت أن تعرف رقي أمة فانظر إلى نسائها " يقابلها أمثولة الشاعر حافظ ابراهيم " الأم مدرسة ان أعددتها أعدت شعب طيب الاعراق"، والمثل الامريكي " كثيرا ما نرى الاشياء على غير حقيقتها لأننا نكتفي بقراءة العنوان"، والمثل الصيني " سلح عقلك بالعلم خير من أن تزين جسدك بالجواهر" ، والمثل الروسي أخطاء الاخرين دائما أكثر لمعانا من أخطائنا، والمثل الانجليزي " كل امرئ يصنع قدره بنفسه"، والاسباني "الإعجاب بالنفس وليد الجهل"، والايرلندي " اعط حبك لأمرأتك، وسرك لوالدتك "، والمثل الهندي "عامل ابنك كأمير طوال خمس سنوات، وكعبد خلال عشر سنين، وكصديق بعد ذلك"، والمثل التشيكوسلوفاكي " علمني أهلي الكلام، وعلمني الناس الصمت "، والمثل البرتغالي "على الذين يعطون أن لا يتحدثوا عن عطائهم، أما الذين يأخذون فليذكروا ذلك "، كل هذه الامثال تتقارب على اختلاف جغرافيتها وحضارتها من كل انسان على ارض البسيطة.   
 
امتزاج الأنا والاخر
علاقة الأنا  بالاخر في ثقافتنا الشعبية  تبدو في بعض الاحيان علاقة امتزاج او تكامل او تقارب في ثقافتنا الشعبية التي تجسدها الامثال بشكل واضح، ولذلك كانت هذه العلاقات المتشابكة محل العديد من الدراسات المتخصصة في هذا المجال ومنها دراسة للباحث  سيد إسماعيل  في كتابه "الآخر.. في الثقافة الشعبية"  لاحظ فيها أن الشعوب التي كانت تعيش ضمن الدولة العثمانية لديها قدر من الأمثال المشتركة أو المتشابهة، كما هو الأمر لدى الأتراك والعرب والأكراد والألبان، وذلك نتيجة  الحياة المشتركة بينهم التي امتدت 400-500 سنة، ضمن الدولة الواحدة والثقافة الواحدة (الإسلامية)، ويبدو في الأمثال أو الحكم المنسوبة إلى (نصر الدين خوجة) أو (جحا).
وقد وجد بين الأمثال الشعبية الفارسية والألبانية ما هو متطابق أيضا مع الأمثال الشعبية العربية مثل: (بيخاف من خياله) و(اللي بيطلع الحمار لفوق بينزله)... ومن الأمثال المتشابهة بين الأمثال الشعبية الفارسية والألبانية (النجاة في نهاية الفنجان) و(اللص الماهر يطفئ المصباح أولا).
وهناك أمثالا متشابهة في المعنى ومختلفة في التعبير مثل المثل الفارسي "أحرق لحيته بنفسه"، والمثل الألباني "ذهب الجدي بنفسه إلى القصاب"، والمثل الفارسي "الإنسان يحتاج إلى العقل لا إلى القوة"، والمثل الألباني " ماذا يفيدك المال والقطيع إذا ليس لديك عقل؟"،  والمثل الشعبي الفارسي" القرد لا يصلح للحفر على الخشب" يقابله في الألبانية " لا تدع الذئب يحمي الغنم"... وغيره.
وتم رصد التشابه والتطابق في الامثال العربية والالبانية  في أول كتاب جامع للفولكلور الألباني (النحلة الألبانية- 1878م) الذي وضعه الباحث والشاعر ثيمي ميتكو (1820-1890) ثم صدر لاحقا "أمواج البحر- 1908م"  للباحث والشاعر سبيرو دينه (1848-1922).
وفي هذين المصدرين، وجدت بعض الأمثال الشعبية العربية والألبانية المتطابقة أو المتشابهة مثل: " ما تزرع تحصد"، و"زلة القدم ولا زلة اللسان" ، " لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد "،  و" العمل يدل على الإنسان"، و" لقت الطنجرة غطاها"،  و"الصديق الصالح يدل على الطريق الصالح"، و" يرى الشعرة في عين غيره ولا يرى الحطبة في عينه"، وعكست مثل هذه الامثال  دلالات ثقافية واجتماعيةوسياسية.
 
ضرورة الفرز
ورغم أهمية الامثال في حياتنا باعتبارها خبرةانسانية ضرورية للتواصل والاندماج الاجتماعي، الا ان بعضها يعبر عن مضامين تبعث على التشاؤوم او الانهزامية لدى بعض الشعوب التي وقعت تحت براثن الاحتلال، واخرى يدعو للتكاسل ويقلل من شأن الطموح والتطلع، وهو ما يتطلب منا ان نكون اكثر وعيا عند تلقي الامثال ويكون لدينا القدرة على فرز الغث من السمين منها.
ومن النماذج السلبية لهذه الامثال: "  اللي يباوع لفوق يتعب" و" اللي يبص لفوق توجعه رقبته"،  و" رايح فين يا زعلوك بين الملوك". فهذه النماذج اطلقت من قبل فئة اجتماعية عليا تحاول الحفاظ علي مكتسباتها وسلطاتها من ان تحاول الطبقات الدينا التطلع اليها والحلم بها.
وهذه النماذج السلبية للامثال الشعبية لابد وان نفرزها ونتخطاها ونأخذ بما ينفعنا ويبث فينا الامل للمستقبل ويدفعنا للعمل والنجاح والسلام والتعاون والرحمة.

الأحد، 10 فبراير 2019

سن تشريعات عراقية ضد الجرائم الالكترونية لا يقل اهمية عن محاربة الارهاب

 باتت الجرائم الالكترونية خطرا داهما يطال كل المجمعات البشرية بالكوارث السياسية والاقتصادية والاجتماعية وايضا الثقافية والدينية، فالهكرز موجودون في كل مكان يخترقون الحواسيب والهواتف الذكية اما للسطو على معلومات الشركات وابتزازها او الافراد للتشهير بهم سواء كانوا افرادا عاديين او ذوي واجهة اجتماعية ايضا للابتزاز المالي، ناهيك عن سرقة الحسابات البنكية والخروقات لتجنيد الفتيات والشباب وحتى الاطفال في الاعمال الارهابية بعمليات غسيل الادمغة وتغيير المفاهيم الثقافية والاجتماعية والدينية.

لذلك سارعت الكثير من بلدان العالم لسن تشريعات قانونية لمكافحة الجرائم الالكترونية ومنها العديد من البلاد العربية، لكن العراق يقف امام هذه المعركة الكونية مكتوفي الايدي وكانه خارج حسابات الزمن ولم يصدر حتى الان تشريعا قانونيا للتصدي لهذه الجرائم التي باتت تقوض امن وسلامة المجتمع العراقي من الداخل، ويكتفي بمعالجتها عبر قانون العقوبات العراقي وقانون مكافحة الارهاب.
وفي تقديري ان الحرب على الجرائم الالكترونية لا تقل أهمية ابدا عن خوض معارك تحرير العراق من الارهاب الداعشي وغيره، فالجرائم الالكترونية هي ارهاب ينشر سمومه افاعيه داخل كل مكان في العالم وخاصة العراق الذي يحاول لملمة جرحه النازف من الارهاب والانقسامات السياسية والمذهبية والفساد بكل انواعه.
وتتجلى خطورة الجرائم الالكترونية في انها تنفذ داخل كل غرفة من غرف البنات والاولاد والصغار والكبار على حد سواء خلال اتصاله بجهازه الحاسوبي او عبر هاتفه الذكي وهو يتعرض بشكل يومي لكوارث هذه الجرائم وهو غير محصن ضد سمومها بينما يعجز المشرع العراقي منذ عام 2011 وحتى اليوم عن اصدار تشريع قانوني تكون له القدرة على التقليل من نسب هذه الجرائم الالكترونية داخل المجتمع أسوة بسنه وتفعليه بمصر والاْردن و غيرها من البلدان المجاورة.
 
غياب تشريعي
وهنا يجري السؤال الجوهري لماذا هذا التباطؤ في اصدار مثل هذا التشريع؟ ولصالح من يقدم مشروع قانون جرائم المعلوماتية لمجلس النواب منذ عام 2011 ويظل قيد التشريع حتى يومنا هذا؟ فخلال هذه السنوات وقعت الاف الجرائم التي انتهكت الخصوصيات ودمرت الاسر العراقية، ومجلس النواب والحكومة في سبات عميق ويكتفون في عمليات مواجهة هذه الجرائم بقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 الخاص بعقوبة لجرائم التشهير، وهي عمليا ليست كافية في عقوبتها لردع الجرائم الالكترونية التي توسع نطاقها عبر استغلال مواقع التواصل الاجتماعي.
لذلك، فانني لا افهم لماذا هذا التباطوء بسن هذا التشريع رغم اهمية خروجه الى النور امس قبل اليوم اللهم اذا كان هناك  تواطيء الكثير من الجهات التي اعتادت على استخدام الانترنت والشائعات في عملية التسقيط السياسي وحروب الأحزاب والشخصيات السياسية.
 
تدمير الاخلاق
ومن المنظور الاجتماعي نجد ان الجرائم الاليكترونية تنخر في قواعد قيمنا الاجتماعية والاخلاقية كالسوس مما أدى الى تدني المستوى الأخلاقي العام، والغريب في الامر ان السيدات هن الأكثر مشاركة في الاعتداءات الالكترونية، وهو ما يثير الدهشة والاستنكار في مجتمع عربي شرقي مسلم كالعراق اذا ما تم مقارنته مثلا بالسعودية التي لها اعتبارات دينية اخلاقيه في المجتمع او الاْردن البلد الوسطي الذي لا يحمل صبغة دينية سواء شيعية او سنية.
وبتزايد الزيارات الدينية والمظاهر الدينية في العراق نجد تزايد طردي بالانحدار في مستوى استخدام الألفاظ، وكباحثة وإعلامية متابعه لما يجري على الساحات فلم تترك هذه الآفات اَي شخص ولم تستثني احد واختلط الحابل بالنابل.
فقد تفاقمت انواع الاعتداءات بدبلجة الاخبار وتلفيق التهم تركيب الصور والفيديوهات ومن تكرار الامر يصبح بالامكان تصديقه، كما يقال المثل ـ كذب ثم كذب ثم كذب حتى تصدق انت كذبتك.
الطامة الكبرى في مثل هذه النوعية من الجرائم ان تفتت تماسك الاسرة الواحدة داخل المجتمع وتعمل على تشظيها وتدميرها، خاصة وان معظمها يستهدف النساء ومن ثم يتسبب في انفصال بين الأزواج امام ساحات القضاء. أما الفتيات يتكتمن أحوالهن حفاظا على سمعتهن من الضرر اذا قدمن شكاوهن  من جرائم الابتزازامام المحاكم.
فتورط البنات في العلاقات الاليكترونية مع الشباب أفضى الى وقوع كوارث اخلاقية واجتماعية، حيث باتت صورهن الشخصية مهددة بالنشر، مما يضطر الكثير منهن الى تقديم تنازلات مادية ومعنوية خوفا من الفضائح والتشهير بالسمعة.
 
جهود أمنية ولكن
 استفحال الجرائم الاليكترونية وتهديدها لسلامة المجتمع، دفع اجهزة وزارة الداخلية العراقية لاطلاق حملة "بتنه - تهمنه" العام الفائت  لنشر الوعي بين أوساط الشباب العراقي بمخاطر الدعاية والجرائم الإلكترونية، وخاصة  علميات التجنيد التي يقوم بها داعش لجذب الشباب.
وهذه الحملة تمثل جهدا مشكورا لوزارة الداخلية العراقية لأنها تفاعلت في حملتها هذه مع شباب المدراس والمعاهد والكليات لنشر الوعي في صفوفهم بضرورة تأمين حساباتهم الإلكترونية، وكيفية طلب المساعدة في حالة حدوث أي مشاكل. وتضافر مع اطلاق برنامج اذاعي للوزارة وعدد من الأفلام القصيرة لنشر الوعي من خطر التعرض للابتزاز خاصة بحق الفتيات الصغيرات ومحاولات استخدامهن في جرائم خطيرة مثل الإرهاب وتهريب المخدرات.
تبرز أهمية هذه الحملة التي تنفذها الداخلية العراقية، في انها قد كشفت عن أن الابتزاز الإلكتروني يستهدف بشكل أكبر الفئة العمرية من 15 إلى 26 سنة،  معظمهم من غير المتعلمين أو ممن يعيشون في أسر محافظة للغاية، وهذا يعني ان انتشار الجهل في صفوف هذه الضحايا كان سببا في زيادة وقوع هذه الجرائم.
ورغم ان ان الحكومة مسئولة عن حماية وسلامة وأمن مجتمعها وقصرت حتي اليوم في اصدار تشريع قانوني لمجابهة هذه الجرائم، فان المجتمع نفسه بكل مؤسساته الأسرية والثقافية والتربوية والدينية والمدنية  مقصر هو الاخر في القيام بمسئولياته في تقليص هذه الجرائم ووقف نزيفها وسرطانها المنتشر في البلاد.
فهناك غياب وعي ثقافي بمخاطر هذه الجرائم لدى الاسر العراقية التي تخلت عن دورها الرقابي في تنشئة شبابها، وربما يكون جهل بعض الاسر باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي قد أدي الى غياب قدرتهم على مراقبة سلوك ابنائهم وبناتهن.
وهنا تبرز مسئولية مؤسسات المجتمع الاعلامية والثقافية والدينية في نشر الوعي داخل الاسر باستخدامات مواقع التواصل الاجتماعي وخطورته على السلامة الاجتماعية والاخلاقية لكل افراد الاسرة ومن ثم افراد المجتمع كله.
 
واقع مرير
واقع الامر يكشف ان المجتمع العراقي قد ضج وفاض به الكيل من كثرة وقوع هذه الجرائم اليومية، فلجأ الكثيرون الى ساحة القضاء لحمايتهم من الابتزاز المالي والاخلاقي اليومي الناتج عن هذه الجرائم.
مصداقا لذلك، هو ما تتلقاه المحاكم العراقية يوميا من دعاوى التهديد والابتزاز الالكتروني، ولعله مما يزيد الامر ألما هو ان معظم ضحايا هذا الابتزاز من الفتيات اللواتي تم اختراق حساباتهن علي مواقع التواصل الاجتماعي وجرى الحصول على صورهن الشخصية باستدراجهن.
وبحسب ما رصده قضاة التحقيق في مثل هذا الدعاوي، فان المجرم الاليكتروني يكره ضحيته على دفع مبالغ مالية أو تقديم تنازلات معنوية مقابل عدم نشر معلومات أو صور حصل عليها بقدرته على اختراق المواقع الالكترونية.
فالمجرم الاليكتروني غالبا ما يستدرج الضحية للحصول على بياناتها الخاصة عبر اقامته علاقات عاطفية معها لتبدأ فورا جريمة الابتزاز، وعلي ذلك فان المقابل المادي الذي يدفعه الضحية هو دافع رئيسي لارتكاب مثل هذه الجرائم التي لم يستثني منها أحد من عامة الناس او حتى الشخصيات العامة.
 
سن القوانين ونشر الوعي
ان استفحال خطر الجرائم المعلوماتية بالعراق يستدعي سرعة اصدرا تشريعي قانوني مغلظ العقوبات بحق مرتكبي هذه الجرائم، كما يستدعي تكاتف المؤسسات الرسمية والثقافية والتربوية والدينية للقيام بمسئولياته في حماية الاطفال والنشئ من الانجرار لسوء الاخلاق، وابراز الأحكام الدينية الإسلامية والمسيحيه واليهودية وتجريمها لهذه الافعال. فنحن نرى و نقرا امام اعيننا كيف يتم استخدام الانترنت من قبل المراهقين و للأسف الشديد احيانا نرى كبار السن يتعاملون مع الانترنت بمفهوم المراهقين الذين لم يحسنوا تربيتهم و تهذيبهم و اتعجب كل العجب من استخدام الألفاظ الغريبة جدا التي لم نسمعها بحياتنا و إنما نقراها على شكل بوستات و منشورات في صفحات الآخرين و نقرا انحدار الاخلاق من خلال قرائتنا لتعليقات اصدقائهم ايضا على منشوراتهم فهذا إنذار خطير يجعلنا نتسائل (الاخلاق الى اين) و نتذكر معلماتنا و الراهبات كيف كن نرتعب لو سمعنا لفظا نابيا وليس نطقنا به اما الان نجد السباب و اللعان و كأنها لغة مقبولة و متداولة و غير مستهجنة و الأمر و الأنكى و الاضل سبيلا ان معظمهم بنات و سيدات يعني امهات المستقبل و المربيات الفاضلات اللواتي من المفترض ان يتمتعن بقدر من الحياء لان الأنوثة ادب و حياء و ألفاظ نظيفة


و ان كنّا نتحدث عن التعامل و التعاطي مع احداث حصلت بالفعل ، فماذا عن الاخبار و المنشورات الملفقة جملة و تفصيلا بالتبلي و الافتراء فكيف سيكون او كيف كان التعامل مع تلك الاخبار المدبلجة و المركبة و الصور المزيفة و المدبلجة بلا رادع قانوني و لا ظبط اخلاقي او ديني او حتى تأنيب من البيت و الأهل و المجتمع حقا انه امر عجيب و كلنا يعلم ان تلك الحروب سياسية وحزبية و طائفية يتناول بها فلان نظيره او عدوه او حتى حليفه للتسقيط السياسي وهم لا يعلمون انهم اصبحوا فرجة سينمائية امام العالم الذي مازال بعض الشيء محتفظا بالعادات و الاخلاقيات و الحلال و الحرام
كلنا نعلم و نقدر ان الحروب و الثعلب و الآلام و الاحزان التي مر بها شعب العراق جعلت له المبررات لما ال اليه الان و لكن يجب ان لا نترك الأعذار ذريعة لمخطط تدمير العراق بأبنائه
فالعراق بلد العلم و العلماء و بلد يشهد له التاريخ بالعظمة فلنبق كما كنّا ان لم نستطيع التقدم اما التراجع فغير مقبول
اعرف ان الكثير لا يقبل النقد و كان الناقد عدو و لكن يجب ان يعلم الجميع ان من يحبك يتمنى الإصلاح بالنصح و التوجيه و من لا يحبك يتركك على ضلالك

وفي تقديري ان المؤسسات التربوية في المدارس والجامعات والمساجد والاحوزة العلمية يجب ان يكون لها دور اكبر في حربنا ضد الجرائم الاليكنرونية بنشر الوعي بمخاطرها وتوضيح الأبعاد السياسية لاستخدامها من الذباب الالكتروني، وشرح خطورة الكذب على سلامة الاسر والمجتمعات عبر نشره الاشاعات المضللة ونشر الخرافات بعيدا عن العلم والاخلاق. وفي تصوري اننا لن نستطيع تفعيل الدور التوعوي لمؤسساتنا التربوية والدينية والمجتمع المدني دون تدريب قيادات متخصصة علي فنون التواصل مع الجماهير والقدرة على توصيل المعلومات الصحيحة اليهم ونشر الوعي في صفوفهم.
وعلى الصعيد الامني فان وزارة الداخلية مطالبة بالتوسع في حملاتها التوعية في المدارس والجامعات، حاجتنا الى انشاء قسم بوليسي خاص مجهز باحدث الوسائل التكنولوجية تكون مهمته تلقي هذه الانواع من الجرائم الاليكترونية ومعالجتها اسوة بما اتبعته بعض الدول في العالم من حولنا.
وانشاء مثل هذا القسم يستدعي تدريب كوادر عراقية على التعامل مع تقنيات الحاسوب والانترنت وجرائمه.

الثلاثاء، 5 فبراير 2019

سارة السهيل: ‎المسيحيون العرب تاريخ وحقوق وتعايش ونضال مشترك

تجيئ احتفالات الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية حول العالم بميلاد المسيح عليه السلام في الخامس والعشرين من ديسمبر كل عام لتكون فرصة للشعوب العربية بصفة خاصة  لكي تستعيد انسانيتها وتعيش تلاحم أديانها السماوية فيشارك مسلمو العالم العربي اخوانهم في الوطن والتاريخ والثقافة والانسانية الفرحة بقداس كنيسة المهد في بيت لحم بالضفة الغربية حيث ولد السيد المسيح عليه السلام.

‎ وهذا الاحتفال يعيش افراحه وتجلياته وانواره شعوب 39 دولة تعتنق المسيحية بوصفها اكبر ثاني الاديان اعتناقا في العالم من أصل 50 دولة ذات أغلبية مسلمة، كما يذكر تقرير معهد بيو.

‎فميلاد المسيح لدى المسلمين العرب يعد  مناسبة وفرحة برمز السلام والمحبة التي جاءت بها رسالته ، وما أحوج العالم الى نشر السلام والمحبة في مواجهة أساطين العداوة والبغضاء والارهاب.

‎وبالرغم من أن غالبية الكنائس والطوائف المسيحية تحتفل بميلاد المسيح نهار 25 ديسمبر، فإن بعضها الاخر يحتفل بالميلاد في نهار السابع من يناير، أو السادس منه، وهذا التعدد في ايام الاحتفالات  يعطينا فرصة لنواصل فرحتنا وتهنئة اخواننا المسيحين شركائنا في الارض والوطن والقيم بالاعياد.

‎فتهنئة من كل قلبي لكل مسيحي عربي او شرقي  بعيد الميلاد، وسيظل المسلمون يهنئون اخوانهم المسيحين باعياد الميلاد حتى قيام الساعة، خاصة وان علاقات الأخوة والمودة بينهما مستمر منذ اكثر من 14 قرنا، ساهم خلالها المسيحيون العرب في تشكيل الثقافة العربية عبر اعلامهم من الادباء والشعراء مثل  قس بن ساعدة الأيادي (أسقف نجران) وطرفة بن العبد وامرؤ القيس والنابغة الذبياني والأخطل التغلبي وعمرو بن كلثوم وأبو تمام الطائي والأعشى وأمية بن أبي الصلت وأكثم بن صيفي وورقة بن نوفل وعروة بن الورد.. وغيرهم

‎أدورا ريادية

‎لعب المسيحيون العرب دورا رياديا في النهضة العربية الحديثة عبر مؤلفاتهم المشرقة مثل كتاب جورج علاف “نهضة العرب”، وكتاب الأب لويس شيخو اليسوعي “تاريخ الآداب العربية”، قاموس “المنجد” الأب لويس معلوف عام 1908.

‎وكان خليل الخوري أول من أنشأ جريدة عربية في بلاد الشام عام 1858 تحت عنوان “حديقة الأخبار”.

‎ولذلك فان المسيحيين العرب بالنسبة لي جزء أصيل من تكويني الاخلاقي والفكري والثقافي، مثلي في ذلك مثل الكثيريين من المسلمين، وان كانت تجربتي اكثرخصوصية بحكم انني تلقيت تعليمي في مدرسة  للراهبات بالاردن.

‎ ويسجل التاريخ الحديث للمسيحين العرب دورهم الفاعل في بلورة الفكر القومي العربي الحديث بداء من جبران خليل جبران مرورا بميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي ونسيب عريضة وفوزي المعلوف ومي زيادة إلى أمين الريحاني والأخطل الصغير (بشارة الخوري) والشاعر القروي(رشيد سليم الخوري) وخليل مطران وأحمد فارس الشدياق ونجيب عازوري(مؤلف كتاب “يقظة الأمة العربية” باللغة الفرنسية عام 1905 وكان أول من رأى خطورة المشروع الصهيوني) وسلامة موسى ومارون عبود وخليل السكاكيني وصولاً إلى ادوارد سعيد… وغيرهم.

‎جذور حضارية

‎تضرب الديانة المسيحية بجذور عميقة في تربة الارض العربية، المسيحيين حقيقة اكدها تاريخ المنطقة العربية وحضارته والتجانس الثقافي بين سكانه، حيث ان المسيحييين قد سكنواالبلاد الممتدة من مصر إلى الشام وصاورا أصحاب هذه الأرض منذ أكثر من ألفي عام… وانتشرت المسيحية أول ما انتشرت في الصحراء العربية وحوران عندما قام بولس الرسول وهو في طريقه إلى دمشق بتبشير القبائل العربية الموجودة في المنطقة.

‎فالمسيحيون كانوا قبائل عربية عاشوا مئات السنين جنباً إلى جنب في شبه الجزيرة العربية في بلاد الحجاز ونجد واليمن وفي بلاد الشام (كما كانت تعرف في ذلك الوقت) ثم اعتنق قسم كبير منهم النصرانية عند نشأتها كالغساسنة في حوران وقاعدتهم “بصرى” والمناذرة في العراق وقاعدتهم “الحيرة” وبني بكر وتغلب وربيعة وبنو تميم ومضر وتنوخ وكانت هذه القبائل في غالبيتها مسيحية قبل الإسلام، حتى قيل: “لولا الإسلام لأكل بنو تغلب الناس”.

‎واعتنق الإسلام القسم الآخر عند ظهوره في القرن السابع ولكن التعايش المشترك استمر على حاله في هذه الارض العربية وتواصل عبر الأجيال ولم يغير ظهور هذه الأديان من نمط حياتهم ولم يغير من أساليب تعاملهم وتعايشهم المشترك وعلاقتهم مع بعضهم البعض.

‎نصرة وتعايش

‎كان لمسيحي العرب مواقف تاريخية مشرفة  في نصرة أبناء اوطانهم في مواجهة اي عدوان خارجي او مستعمر، ففي فجر الاسلام نصر المسيحيون الأوائل الرسول محمداً عندما قرر أهله محاربته وقتله.

‎كما رحب العرب المسيحيون بأبناء عمومتهم المسلمين وساعدوهم فى حربهم ضد الروم البيزنطيين في بلاد الشام والعراق. ولعب مسيحيو الشام دورا كبيرا في قيام دولة بني أمية، كما ساهموا بدور فاعل  في العصر الذهبي للثقافة العربية فنقلوا علوم اليونان وحكمتهم إلى العربية، واشتهر منهم اسحق بن حنين وابنه حنين وابن البطريق وقسطا بن لوقا وثابت بن قرة ويعقوب بن اسحق الكندي ويوحنا بن ماسويه وغيرهم.

‎وتسجل كتب التاريخ أيضا ان فتح المسلمين لمصر قد تم بفضل تعاون الأقباط معهم وعندما ضرب عمرو بن العاص قبطياً ذهب إلى المدينة ليشتكيه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فأنصفه وأطلق جملته الشهيرة: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا “.

‎وأكرم سيدنا محمد صل الله عليه وسلم  وفد نصارى نجران عندما ذهب لزيارته، وصادف ذلك وقت عيد القيامة، فوفر لهم النبي الكريم مكاناً في المسجد النبوي ليقيموا فيه شعائرهم.

‎وعندما فتح الخليفة عمر بن الخطاب مدينة القدس اعتذر عن قبول دعوة المطران صفرونيوس له أن يصلي في كنيسة القيامة حتى لا يأتي مسلم من بعده ويحولها إلى مسجد بدعوي الخليفة صلى فيها.

‎وفي العراق، انضم المثنى ابن حارثة على رأس قبائل من نصارى بني شيبان لجيش المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص لملاقاة الفرس عام 635 م في معركة القادسية ليتحقق لهم النصر علي الفرس، كما اشترك المسيحيون عام 655 م في معركة “ذات الصواري” البحرية مع المسلمين في مجابهتهم للأسطول البيزنطي.

‎وتواصلت نصرة المسيحين العرب وتعايشهم واندمامجهم مع اخوانهم المسلمين عبر التاريخ، فقد حارب المسيحيون العرب بجانب المسلمين ضد الغزاة الصليبيبن المقتحمين للقدس عام 1099 م. وعندما فتح صلاح الدين الأيوبي القدس رفض أن يدخلها بدون بطريرك القدس.

‎قومية واحدة

‎عندما تعرضت الدول العربية للاستعمار الغربي، فان المسيحيين العرب وقفوا موقفا مشرفا لمناهضته مع اخوانهم المسلمين من خلال الانتصار للقومية العربية البازغة وانضموا إلى ثورة سعد زغلول  في مصر، ويسجل التاريخ مقولة مكرم عبيد الزعيم الوفدي المسيحي المناهض للاحتلال الإنجليزي “نحن مسيحيون ديناً ومسلمون وطناً”. كما يحفظ التاريخ موقف البابا شنودة الثالث، بابا الأقباط حين حرم على أي قبطي الذهاب لزيارة القدس أو أية مدينة فلسطينية ما دامت تقع تحت الاحتلال الاسرائيلي.

‎واليوم يناضل مسيحيو العرب مع  نظرائهم لتحرير فلسطين من المغتصب الاسرائيلي.

‎واقع مؤلم

‎بالرغم من الجهد الكبير الذي بذله المسيحيون العرب في صنع الحضارة والثقافة العربية، ورغم انهم يعانون من ازمات طاحنة جعلت الكثير منهم يفر من موطنه بالارض العربية مهاجرا لشتى البلدان الغربية، فان اعداد المسيحيين العرب آخذة في التناقص.

‎وفيما يقدر مركز بيو للابحاث أعداد المسيحيين في العالم الإسلامي بين 139-144 مليون حسب؛ وبين 153 مليون إلى 230 مليون حسب إحصائيات اخرى، فان أعداد المسيحيين في مصر تتراوح بين 4-8 مليون، بينما يشكل مسيحيين أندونيسيا أكثر من 15% من مجمل مسيحيين العالم الإسلامي.

‎كان المسيحيون مطلع القرن العشرين يشكلون حوالي عشرين في المئة من سكان العالم العربي، وللأسف فان نسبتهم قد تراجعت الي خمسة في المئة فقط من نسب سكان العالم العربي.

‎فالحروب الطاحنةالتي تشهدها منطقتنا العربية، وبروز تيارات الاسلامي المتطرف وظهور الجماعات الارهابية مثل القاعدة وداعش قد جعل مسيحي الوطن العربي في مرمي نيران الارهاب مما دفع الكثيرين منهم للفرار والهجرة.

‎فقد عانى المسيحيون العرب في العراق وسوريا من ملاحقة تنظيم داعش الإرهابي، أما المسيحيون الأقباط في مصر الذين يشكلون أكبر مجتمع مسيحي في العالم العربي، فيعانون من عدم اعتراف مجتمعي حقيقي بهم، أما في لبنان البلد الوحيد الذي يشكل فيه المسيحيون الأغلبية منذ وقت طويل، فيجب أن يكون فيه رئيس البلاد وقائد الجيش مسيحيا.

‎وتشكل مصر أكبر تجمّع داخل الشرق الأوسط في حين يشكل لبنان التجمع الأعلى من حيث النسبة؛ هناك تواجد ملحوظ للمسيحيين في سوريا والأردن وفلسطين والعراق كما تضم بعض البلدان المجاورة مثل تركيا وإيران تجمعات من المسيحيين، كما يوجد أكثر من مليوني مسيحي في جنوب السودان، لكن لايحسب هؤلاء ضمن سكان الشرق الأوسط.

‎وكشف احدث تقرير صادر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام بالأردن 2018، عن أن عدد المسيحيين المقيمين في الدول العربية يتراجع بشكل يثير الكثير من المخاوف، وان الأراضي الفلسطينية، مهد المسيحية يتواجد بها 49 ألف مسيحي فقط، أي ما يعادل 1.2 بالمئة من إجمالي السكان. ويعيش نصف هؤلاء في محافظة بيت لحم، وفي مهد المسيح يعيش حوالي 6500 مسيحي فقط، بينما كان عدد المسيحيين في مدينة القدس بحسب إحصاء 1922 كان يساوي 3 أضعاف عددهم الآن.

‎أما في سوريا فلم يبق من المسيحيين العرب إلا 1.2 مليون مسيحي، وبحسب  قسطنطين دولغوف، مفوض الخارجية الروسية لشؤون حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون، فان عدد المسيحيين في سوريا قد  انخفض منذ بداية النزاع المسلح عام 2011 هناك من 2.2 مليون إنسان إلى 1.2″. وكان عدد المسيحيين عام 1950 يقدر بحوالي 5 ملايين، حيث كانوا يشكلون نسبة 60 بالمئة من عدد السكان.

‎الازمة نفسها تكررت في العراق، فبعد أن كانت أعداد المسيحيين العراقيين تقدر بثلاثة ملايين في نهاية القرن العشرين صار عددهم في العراق اليوم لا يزيد عن نصف مليون، وإذا استمر فرارهم للنجاة بأنفسهم فإن الدراسات تتوقع نهاية وجودهم في العراق خلال السنوات العشر القادمة.

‎أما الأقباط الذين كانوا يشكلون 25 بالمئة من سكان مصر فقد أصبحوا الآن يشكلون أكثر من 10 بالمئة (حوالي 10 ملايين). وفي الأردن تشير الإحصائيات إلى أن عددهم حاليا يقارب المئتين وخمسين ألف نسمة فقط .

‎وفي لبنان، الذي كان المسيحيون فيه يشكلون أغلبية قبل نحو قرن من الزمان، تحول المسيحيون إلى أقلية، بسبب الهجرة إلى الخارج وارتفاع معدلات الإنجاب لدى المسلمين. والآن بات المسيحيون في لبنان يشكلون حوالي 30 أو 35 بالمئة من مجموع السكان.

‎كلمة حق

‎ان تقلص اعداد المسيحيبن العرب الي نسب تترواح ما بين 12 مليون الي 15 مليون فقط من أصل350 مليون عربي يدق ناقوس الخطرعلى مسقبل اوطاننا العربية التي قامت وتقوم في نهضتها وثقافتها على تكامل النسيج الوطني المسلم والمسيحي مما يلقي بظلال وخيمةعلى منظومة القيم الاخلاقية والحضارية في اوطاننا العربية.

‎تبدو الازمة أكثر تفاقما في خطورتها، اذا ما استمر تقلص اعداد المسيحين العرب الى  6ملايين فقط كما تتوقع الدراسات في عام 2025، وهذا يؤشر على خطورة بالغة، وهي الارض التي ولد بها السيد المسيح عليه السلام وعليها بلغ دعوته ونشر رسالة المحبة والسلام، قد تختفي منها المسيحية كديانه وثقافة وفكر وحضارة، وهذا يخالف سنن الله في الكون التي تقوم علي تجاور الاديان وتعايشها وتفاعل حضارتها.

‎وهنا يجب على القادة والحكام والمفكرين العرب، ان ينتبهوا لخطور تقلص المسيحية في ارضنا العربية، وهي مكون اصيل من مكونات حضارتنا العربية، وان يبذلوا جهدهم في الحفاظ على المسيحية واهلها العرب بتوفير فرص الامان والسلام والاستقرار والامان لهم، واتاحة الفرص لهم للمشاركة السياسية في تكوين الاحزاب وتفعيل الحياة المدنية والسياسية، ويقوموا بدورهم في بناء اقتصاد ونهضة اوطانهم العربية، باعتبارهم أصحاب ارض ووطن واصحاب حق في الحياة بكل امان في هذا الوطن الكبير.

‎حفظ الله اخواننا المسيحيين ، وحفظ المسيحية دينا وعقيدة وفكرا وحضارة .

الاثنين، 28 يناير 2019

نهضة المرأة تبدأ بثقافة العدل داخل البيت

لاشك ان تعليم المرأة في العصر الحديث قد أتاح لها فرص تشكيل وعيها وإدراكها بقيمة ذاتها ووفر لها فرص العمل لتحقيق قدر من الاستقلال المادي في مواجهة ما تكابده من تمييز اجتماعي وثقافي.
وبالرغم من المكاسب الظاهرية التي حققتها المرأة في تولي العديد من المناصب القيادية العلمية والثقافية والاقتصادية، غير ان تمثيلها السياسي لا يتجاوز1% ، وهو ما يؤشر على تهميش دورها في صنع القرار، وتراجع دورها في سوق العمل، حيث ترتفع البطالة في صفوف النساء في العالم العربي ولا تزيد نسبتهن عن 25% بينما النسبة عالمياً أكثر من 40%.
فالمرأة لم تستطع حتى اليوم حماية نفسها من قهر وتسلط الثقافة الاجتماعية التي تميز بين البنت والولد في التنشئة، وكذلك العنف المسلط على رقبتها بسيف العادات والتقاليد والمورثات التي تتعامل مع الأنثى على انها انسان من الدرجة الثانية لابد وان تظل تابعا مما عرضها للعنف بشتى أنواعه.
و رغم أهمية دور المراة السياسي و في تشكيل الحياة خارج منزلها في مجتمعها و خدمة وطنها الا ان دورها في بيتها هو بمثابة مدرج الطائرة التي ستحلق من خلاله في سماء معترك الحياة داخل البيت و خارجه

ذهنية القهر
الغريب في الامر، الكثير من الرجال مهما اختلفت مستويات طبقاتهم الاجتماعية ومفاهيمهم الثقافية والاجتماعية وتباين تعليمهم داخل الأوطان العربية او في الخارج، فانهم يتشابهون كثيرا في ممارسة اضطهاد المرأة من تعنيف وضرب، والتضييق عليها في العمل، وإغفال حقوقها العمالية والمالية وحرمانها من الترقي الوظيفي وغيرها طبعًا لا يمكننا التعليم إنما الرصد لهذه الحالات الفردية و العامة لم تنحصر في بيئة واحدة حتى لو تباينت النسب بين المتعلم و غيره رغم انني الحظ احيانا في بعض القرى و القبائل احترام للمرأة و تقدير لحقوقها و ان كان البعض يضيق عليها من ناحية الحريات حسب المفاهيم الاجتماعية المتبعة من حيث العادات و التقاليد و العرف التي من وجهة نظري لَبْس كلها سيء فمنها ما يصون كرامة المرأة و يحافظ عليها فأنا دائماً أكرر ان حقوق المراة التي نتحدث عنها و نطالب بها لا تشمل كل ما يرفضه الدين والأخلاق و الوسطية التي تربينا عليها
و لو عدنا بكلامنا عن العنف المعنوي و الجسدي الذي تتعرض له المرأة من خلال سلبها حقوقها المشروعة و تعنيفها وكيف تتواجد هذه المشكلة في طبقات و شرائح مختلفه في المجتمع
نجد هنا التناقض جليا بين الطبقة المثقفة العربية في مناداتها بتحرير المرأة وحقوقها وبما ما قد يمارسه بعضهم من استلاب حقوق المرأة واقعيا، وهذا يرجع الى اثر التربية الاولى التي تلقاها الرجل العربي على يد أمه بكونه مميزا عن المرأة، وان هذا المكتسب في الطفولة ليس من السهل التخلي عنه مهما تلقى من تعليم وثقافة.

أزمة في الطفولة
تعاني المرأة من ثقافة اجتماعية تضعها في مرتبة أدنى من الرجل منذ الطفولة، مما يعرضها وهي في مراحل نشأتها وتربيتها داخل المؤسسة الاسرية للعنف الجسدي والمعنوي والاجتماعي .
فالبيت يمارس موروثا ثقافيا يعتمد على العنف والتمييز بحق صغار الفتيات، ويبدأ منذ ان تعلم الاسرة بان المولود أنثى، فالثقافة السائدة ترى ان الطفل الذكر يحافظ على كيان الاسرة ويحافظ على اقتصادها، بينما الأنثى فهي تابعة ضعيفة وقد تجلب العار للأسرة، ولذلك خرجت العديد من الأثار الشعبية المعبرة عن مفهوم العقل الجمعي الشعبي الذي يرى في انجاب البنات هم حتى الممات، وضرورة ممارسة العنف ضدها كما يقال في الأثر " اكسر للبنت ضلع اثنين" هذه الموروثات الاجتماعية تؤهل الطفلة على خدمة أفراد الأسرة بما فيهم إخوتها الأصغر والأكبر منها، فبينما تترك الطفل والصبي يلهو ويلعب بكل حرية، تجبر الطفلة على الطاعة الكاملة لذويها واخواتها الصبيان وتكريس تفانيها في خدمتهم واجبارها على القيام بأعمال المنزل وانزال العقاب بها عند اية غلطة.
وفيما تتشرب الفتاة معاني هذا التمييز في الحقوق والواجبات، فإنها تنشئ وهي تشعر بالدونية والنقص قد تصاب بالانطواء والخجل الزائد ، وقد تصاب بنوبات من الاكتئاب الحادة، وينمو بداخلها مشاعر التبعية وعدم القدرة على اتحاذ القرار، وعندما تشب عن الطوق وتتزوج تحاكي نموذج أمها في تربيتها لأبنائها دون وعي وادراك الى انها تعيد كرة المآسي على طريق " هذا ما ألفينا عليه آبائنا ".
فهناك اصناما فكرية تربوية واجتماعية لا تزال للأسف راسخة في العقل الجمعي للشعوب ومنها الشعوب العربية التي لا تريد حتى الان ـ رغم انتشار التعليم وعصر السماوات المفتوحةـ ان تكسرها، لانها ترى في الهيمنة الذكورية قوة لا تريد التنازل عنها رغم انها تناهض قيم المساواة والعدل، ورغم أهميتها هذه المساواة في نهضة الأمم لان الأمم تنهض بنهوض الذكر والأنثى معا.
ولاشك ان هذه المفاهيم التربوية والاجتماعية المغلوطة في تنشئة البنات تتنافى مع كل القيم الإنسانية والدينية التي تحث على وجوب معاملة الانثى بالرحمة والعطف ومنحها حقوقها الإنسانية، وذلك مصدقا لما قاله رسول الله صل الله عليه وسلم :(استوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم، إن لكم عليهن حقا، ولهن عليكم حقا). وكذلك قوله " ص" ( فأتقوا الله في النساء, فإنكم أخذتموهنّ بأمان الله, واستحللتم فروجهن بكلمة الله). وكذلك حديثه (ص): (إنما النساء شقائق الرجال، ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم)
كما جاء في القران الكريم
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ )
التي يفهم منها ان القوامة لمن انفق و لمن كان الأفضل (فضل الله بعضهم على بعض) اَي بعض الرجال تفضل من بعض النساء و بعض النساء أفضل من بعض الرجال و ليس التفضيل بالجنس كذكر او أنثى و إنما العقل و الصلاح و الأهلية
فمثلا السيدة مريم العذراء أفضل بكثير من اكثر الرجال و السيدة خديجة كذلك و السيدة عائشة و السيدة آسيا .
يذكر الكتاب المقدس النساء اللاتي أعطاهن الله نعمة النبوة مثل بنات فيلبس المبشر (أع21: 9). وقد تنبأ يوئيل النبي عن نعمة النبوة للمرأة بقوله "إني أسكب روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم" (يؤ2: 28).

مسئولية المرأة
لاشك ان المرأة نفسها مسئولة عما تتعرض له من تهميش والانكار لدورها، لأنها من ناحية تجهل حقوقها المشروعة بالقوانين الدينية او الوضعية الانسانية، وان عرفتها فإنها لا تعرف كيف تحافظ عليها وتجني ثمارها.
ولعلي احمل المرأة مسئولية الإشكالية الكبرى وهي إصرارها على الحفاظ على المورث الثقافي الاجتماعي الذي يهدر كرامة المرأة ويضيع حقوقها ويضعها في خانة الاستلاب الدائم، وكأن هذه الموروثات الاصنام بمثابة عقائد دينية ثابتة لا تقبل الشك او الكسر.
فالمرأة هي التي تنقل لأبنائها هذه المورثات اللاإنسانية العفنة وتعيد انتاجه عبر الأجيال بما يقيد حرية المرأة ويعرقل تطور نموها العقلي والاجتماعي والإنساني.
لذلك، فإنني اعتقد ان اية جهود لنهوض المرأة وتمكينها اجتماعيا لن تتحقق بمعزل عن إعادة وعي المرأة بحقوقها المشروعة دينيا وثقافيا وقانونيا، وهو الوعي الذي يتشكل منذ الطفولة المبكرة خلال عمليات التنشئة والتربية والتفاعل الإنساني داخل مؤسسة الاسرة المتعمد على قيم المساواة والتقدير الذاتي لكل من الفتى والفتاة دون أي تمييز في المعاملة او العطايا، ثم تنتقل معطيات هذا العدل و المساواة داخل مؤسسة التعليم ثم المؤسسة الزوجية عندما تتحول الفتاة الى زوجة ومن ثم أم تعرف كيف توازن بين حقوقها وواجباتها دون اهدار لأي منهما.
الله سبحانه و تعالى لم يخلق حواء من قدم آدم حتى لا يدوس عليها ويحتقرها، ولم يخلقها من رأس آدم حتى لا تتعالى هي عليه فوجوب الاحترام و التقدير بين الطرفين كانت العبرة من هذا الأمر
خلق الله حواء من أحد أضلاع آدم حتى تكون على قدم المساواة معه

هنا فقط تستطيع المرأة ان تربي جيلا متوازنا ثقافيا وتربويا لا يعرف معنى للتمييز او الاقصاء او تهميش لأي من افراده، وكل فرد فيه من ذكر أو أنثى ينعم بالمساواة في الحرية والعمل والتلقي الثقافي ويكتسب فنون الاختيار الناضج في معترك الحياة المتلاطم الأمواج
و أخبرا كلما كانت المراة قوية كانت الاسرة اقوى و اكثر سعادة و استقرار لان المراة هي روح الاسرة فهي المربي و هي التي تنشئ على يدها الأجيال
فكما يقول المثل لا تخف من المراة القوية لانها ستكون يوما ما سندك الحقيقي لتعبر معها و بها صراعات الحياة فالمرأة الضعيفة لا يمكنها بناء كيان و لا زرع الطموح في زوجها و ابنائها ستضل عالة على اَهلها في امور بسيطة كان من الممكن ان تتولاها بنفسها فتصبح المهام موزعه بين أفراد الأسرة رجل و امرأة و ايضا في حالة غياب الزوج او الاب لأي سبب من الأسباب
فالأم مدرسة ان أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق

الثلاثاء، 22 يناير 2019

دعم الدب الروسي لنجل القذافي هل ينهي الشتات الليبي

 تشكل ليبيا لاعبا كبيرا في أسواق النفط الدولية، فقد كانت من اكبر الدول المصدرة للنفط قبل عام 2011، ولذلك فهي تظل هدفا لمختلف الاطماع الدولية ومن ثم فلن تكف المحاولات عن التهام خيراتها عبر اغراقها في الفوضي منذ اسقاط نظام العقيد معمر القذافي.

 
المشهد الليبي يبدو لكل مراقب شديد التعقيد، ففي ظاهره الواضح للعيان  يتجلى الانقسام بين سيطرة قوات خليفة حفتر المدعومة من مجلس النواب على الشرق الليبي، وسيطرة حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا على غرب البلاد، ويدخل على الخط بقوة سيف الاسلامي القذافي الذي برز في المشهد الليبي مؤخرا بدعم روسي.
 
في الظاهر أيضا، فان القوى الدولية اللاعبة في ليبيا تبدي دعمها للاتفاق السياسي والمجلس الرئاسي والحكومة، غير ان باطن مواقف اللاعبيين الدوليين يكشف عن تباين شديد بحسب المصالح الخاصة لكل طرف منها. فكل طرف من القوى الدولية يرى في ليبيا صيدا جيدا لابد من اغتنامه والفوز بالنصيب الاكبر منه تحت غطاء محاربة الارهاب، وذلك على حساب استقرار وامان وسلامة الشعب الليبي.
 
وفيما تتداخل مصالح القوى الاقليمية في ليبيا ما بين محاولات احكام السيطرة على البحر المتوسط والحفاظ على الحدود المتشابكة اقليمية، والاستفادة من الثروات الليبية دوليا، يأتي دخول الدب الروسي على الخط ربما ليحدث بعض التغيير في مسارات اللعب الدولي في ليبيا.
 
فقد جاء دخول الدب الروسي في المشهد الليبي بناء على عدة اعتبارات منها انها كانت مورد رئيسي للسلاح الليبي في عهد القذافي الأب، ومن ثم تحاول الاحتفاظ بحصتها في توريد السلاح لليبيا. واعتبار اخر يتجلي في استفادة روسيا من تجربتها في سوريا وقدرتها على احكام السيطرة على الدواعش والحفاظ على سوريا حتى الآن من الانهيار نسبيا، ويتجلى الاعتبار الثالث في سعي الدب الروسي للتوغل الي قلب القارة السمراء عبر البوابة الليبية.
 
وهنا يراهن بعض المراقبين على قدرة روسيا على نقل تجربتها في سوريا الى ليبيا باعتمادها على سيف الاسلام القذافي ، ورغم ذلك فان نقل هذه التجربة يصعب اتمامها في ليبيا، وذلك لأن التواجد الروسي في سوريا تم بغطاء شرعي ممثلا في الرئيس بشار نفسه وحكومته مما أسبغ على التواجد الروسي شرعية في سوريا لدحر الدواعش والتنظيمات الارهابية الاخرى.
أما الوضع في ليبيا يبدو مختلفا بالنظر الى غياب هذه الشرعية التي يمكن لروسيا ان تستخدمها للعب دور رئيسي في ليبيا، وهو ألمح اليه وزير الخارجية الروسي سيرخي لافروف قائلا: " انه من الخطأ الحديث عن احتمال نقل تجربة بلاده في سوريا الي ليبيا نظرا لغياب المسوغ الشرعي ".
 
ورغم هذا الاعتبار المهم، فان الكثير من القياديين الليبين وعلى رأسهم خليفة حفتر الذي  يتواصل مع المسئوليين الروس موسكو العسكريين والسياسيين. رغم علاقته بالغرب وامريكا، فان حفتر قد وعد الروس بتعزيز وضعهم في ليبيا، ومن جانبها دعمت روسيا حفتر وقدمت قطع غيار عسكرية خارج دائرة حظر التسليح المفروض على ليبيا، كما اتفقت معه على صفقات تسليح، وبأسلحة قادمة من بيلاروسيا أو دول أخرى قريبة من موسكو.
 
ورغم الجهود الذي يبذلها خليفة حفتر للاحتفاظ بالعلاقات مع روسيا لصالحه، فان روسيا باتت تنظر للاعب ليبي جديد يمكنها الاستفادة منه في تحقيق اهدافها في استعادة استقرار ليبيا وفي بسط نفوذها بالمنطقة الافريفية والمتوسطية وهو سيف الاسلام القذافي.
 
وقد تجلى هذا الموقف الروسي بزيارة مبعوث نجل الراحل معمر القذافي، إلى موسكو، وتسليمه رسالة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وما استتبعه من تصريحات لنائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف بقوله:  إنه "ينبغي أن يلعب سيف الإسلام القذافي، دورا في المشهد السياسي الليبي".
 
وقد طرح هذا المواقف الروسي من نجل القذافي العديد من التساؤلات بشأن مدى قدرة روسيا على انهاء حالة الانسداد السياسي في الازمة الليبية، وهل تعني هذه الزيارة والتصريح برهان موسكو على سيف الاسلام القذافي وحده في جمع شتات الليبين رغم وجود منافسين أشداء مثل خليفة حفتر وفايز السراج رئيس الحكومة، أم انها تستخدمه كورقة ضمن اوراق اللعبة الليبية في يدها؟
 
وبرغم اجماع المراقبيين السياسيين على ان اعلان روسيا دعمها لسيف الاسلام القذافي وانها ورقة قد تغير قواعد اللعبة في ليبيا من عدمه بشامل مستقبل الاوضاع الليبية، فان نجل الرئيس القذافي صار متصدرا للمشهد منذ ان بعث برسالة للدب الروسي يطلب فيها دعمها لحل أزمة بلاده.
والمراقب لخطوات نجل القذافي يجد انه يتحرك بخطوات هادئة لاكتساب ثقة الليبيين، وذلك من خلال الدور الذي يقوم به مناصريه الذين نظموا حملة مؤخرا اطلقوا عليها حملة " حراك مانديلا ليبيا " استفتوا فيها الليبيين على اختيار سيف الاسلام لرئاسة البلاد وكشفت نتائج الاستفتاء الذي جرى على نحو 71 ألف ليبي عن تصويت 91 % منهم بالموافقة على ترشيح نجل القذافي للرئاسة.
 
في هذا السياق فان أنصار نجل القذافي يراهنون على فشل الجهود التي بذلت طيلة السنوات السبع الماضية في احتواء الازمة الليبية سواء كانت جهودا سياسية او عسكرية، ومن ثم فان جهود سيف الاسلام قد تكون ورقة التوت التي تغطي عري الانقسام في ليبيا، بينما يرو الدب الروسي ان نجل القذافي يجب ان يكون جزءا من العملية السياسية الشاملة في ليبيا ودون نسيان العقوبات المفروضة على نجل القذافي من جانب المحكمة الجنائية الدولية، رغم اعلانه أيضا انه سيدعم حق الجميع في الانتخابات الليبية المنتظرة.
وفي كل الاحوال فان رد الدب الروسي على رسالة نجل القذافي تمثل اعلانا روسيا صريحا بدعمه، وذلك رغم نفي عضو الفريق السياسي لسيف الإسلام القذافي، محمد القيلوشي، أن يكون ملف ترشح سيف الإسلام لرئاسة ليبيا، قد تم التطرق له خلال زيارة الوفد إلى موسكو، لافتا الى أن الترشح للرئاسة أمر سابق لأوانه. والمنطقي ان ينفي " القيلوشي " فكرة ترشح نجل القذافي لرئاسة ليبيا، خاصة وان القانون الذي ينظم الانتخابات لم يصدر حتى الآن.
 
ومع رفضنا البديهي لاي تدخل اجنبي لانهاء الازمة الليبية، غير ان الواقع الدولي يفرض هذا التدخل الذي عمل تمزيق ليبيا، فاذا كانت لروسيا القدرة على انقاذ البلاد وشعبها من التمزق، فان هذا التدخل قد يكون سبيلا لجمع شتات الفرقاء الليبين والحفاظ على وحدة الاراضي الليبية من الانقسام وفقا للمخطط الامريكي.
وفي تقديري ان دعم الدب الروسي لواحد من ابناء الشعب الليبي نفسه مثل المهندس سيف الاسلام القذافي وانصاره ضمن اطار الامساك باوراق اللعبة الليبية لاتمام العملية السياسية قد ينقذ ليبيا من مصير التفكك والتشظي، شريطة  الايفرض حل تسوية الازمة الليبية روسيا او دوليا دون قبول الشعب الليبي نفسه، وشريطة ايضا ان يتوافق الشعب الليبي نفسه ونخبته على شخص نجل القذافي لقيادة البلاد وينحون جانبا اية مصالح شخصية وينتصرون فقط لوحدة الوطن بما يحد من المطامع الدولية في خيرات الارض الليبية الغنية بالثروات.

الاثنين، 19 نوفمبر 2018

فنون إدارة ازمة الكوارث الأخلاقية بالمدارس


فنون إدارة ازمة الكوارث الأخلاقية بالمدارس
سارة طالب السهيل 


كانت المدراس قديما نوافذ مفتوحة للعلم والتربية معا دون انفصال لاحدهما عن الاخر باعتبارهما وجهان لعملة واحدة في تشكيل وعي الإنسان أخلاقيا ومعرفيا، كما هناك تكامل في الأدوار التربوية والاجتماعية لكل من المؤسسات الدينية والتربوية والتعليمية والاسرية في تنشئة الأجيال علي المفاهيم الحضارية والسلوكية القويمة.

وسرعان ما تبدلت الأحوال ونسيت المجتمعات العربية الحكمة في بناء الأمم وبقائها وسر خلودها كما قال الشاعر العظيم أحمد شوقي:

" و إنما الأمم الأخلاق ما بقيت * فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ....و إذا أصيب القوم في أخلاقهم * فأقم عليهم مأتما وعويلا صلاح أمرك للأخلاق مرجعه * فقوّم النفس بالأخلاق تستقم".
فباتت العناية بالأخلاق امرا ثانويا لا تهتم به المنظومة الاسرية ولا التعليمية وترك الحبل على الغارب للأبناء يتلقون المفاهيم المغلوطة للحرية ويفعلوا ما يشاءون داخل المدارس

يقف المجتمع العربي موقف المتفرج من أطفال هذه المدراس وهم يتدنسون بأفكار الحرية المغلوطة من تدخين وتعاطي مسكرات او رقصات ماجنة، بينما الغرب قد وضع ضوابط أخلاقية وقانونية لحماية النشء من الضياع، ومنها ان الغرب لا يسمح للطفل بالشرب للمسكرات والتدخين والمخدرات قبل سن ٢١.
وتحفل سجلات الحوادث بالصحف العربية بكوارث أخلاقية تكشف عن حقيقة ان المدراس باتت مصدر للجريمة والانحراف السلوكي، فالطفل يذهب للمدرسة ويتشرب كل أنواع السلوك المنحرف، وان المخدرات تجتاح المدراس في مصر ولبنان والإمارات وغيرها من البلدان العربية.
اعتقد ان الاسرة تتحمل الجزء الأكبر من المسئولية وغياب الوعي لديها بأهمية ممارسة دور الرقيب على سلوك أبنائها، بل ان الام تعد عنصر رئيسي في تنشئة الصغارعلى القيم الأخلاقية ومقاومة أي سلوك منحرف لديهم مصداقا لقول الشاعر:
" الأم مدرسة ان اعددتها.. اعددت شعبا طيب الأعراق "
فقد انصرفت الام الى الانشغال عن متابعة أبنائها وغرس القيم الأخلاقية في نفوسهم أما بالعمل او متابعة خطوط الموضة، او محادثة صديقاتها بالموبايل او النت، بينما انشغل الأب هو الاخر بعمله وبأصدقائه دوره الأهم في اعتباره راعي وكل راعي مسئول عن رعيته فغاب الاب الموجه والمرشد و الحامي والمدقق لسلوك أبنائه وتقويمهم.

مصادر الخطورة
رغم الانفلات الأخلاقي قد انتشر في المدراس الوطنية والأجنبية على حد سواء، غير الخطورة تشتد فجائعها في المدراس الأجنبية لأن طلابها عادة و بلا تعميم من اصحاب الدخل المرتفع و ابناء العائلات المتنفذة ،و في وقتنا الحاضر على عكس السابق ؛كلما زادت الأموال و السلطة في يد الاسرة زاد معها الإهمال و التسيب و التراخي في تربية الأولاد و يكون ذلك بزيادة تدليلهم و سهولة حصولهم على الأموال و كل احتياجاتهم سواء الأولية او الثانوية مما يشعر الطفل او المراهق بالسيطرة الكاملة على نفسه و من حوله و كأنه محور الكون و يبدا بفرد عضلاته و إثبات ذاته بداية من خلال مشترياته و مقتنياته و من ثم يتحول الى مجرب لكل ما هو جديد وكل ما يبث في الاعلام ووسائل التواصل من صرعات تجعل منه بطلا وتشعره بالثقة بنفسه و انه اصبح كبيرا ولم يعد طفلا من وجهة نظره فكلما اشعل سيجارة يشعر وكأنه كبر عام! هذه العقلية جاءت من فراغ عقله فلو ملأت أسرته عقله بما نفع لما وجد مساحة لهذه الترهات في عقله
و لو زرع اهله ثقته بنفسه لما اضطر للجوء الى هذه الموبقات لإثبات ذاته
و لو اشغل اهله وقته بنشاطات كركوب الخيل و تعلم الموسيقى و الاشتراك بمكتبة او ناد رياضي او اللعب بحديقة في الهواء الطلق او اَي هواية نافعه لما وجد الوقت لممارسة التفاهات و مشاهدة ابطال الوهم من فناني ارصفة أوروبا و امريكا
أتمنى دوما التواصل الحضاري و الفني بين الشعوب و حول القارات و اشجع على هذا التواصل و لكن التواصل الثقافي و الحضاري و بين قوسين (فني) و ليس فن هابط لاحد المتعاطين و المدمنين لينقل تجاربه التي هدمت حياته الى ابنائنا و نحن نتفرج
فيذهب هذا الطفل او المراهق الى المدرسة لينشر بين التلاميذ حبه و متابعته لهذه الشخصيات و يبدا التقليد الأعمى بين الطلبة
وهو ما جعل الكثير من الاسر المحترمة و ان كانت مقتدرة ماديا تخشى ارسال أبنائها الي هذه المدارس، فهل سيفهم حديثي النعمه ممن لم يتعب بالحصول على أمواله انه لا يدمر ابناءه فقط بل مجتمع بأسره فهل يستوعبون انهم يصنعون جيلا من الاتكاليين الأنانيين الماديين فكيف لاتكالي و يحب المال (مادي ) في ان واحد ان يحصل على المال و هو أناني ؟
فنحن لا نصنع الفشل بل نجرهم للفساد و الانحراف و الجريمة

المدارس الأجنبية
———————
للأمانة هناك مدارس اجنبية رائعه بكل المعاني و اكثر التزاما من بعض المدارس العربية من حيث التربية و التعليم و التثقيف و التركيز على بناء الشخصيه و الثقة بالنفس و البحث عّن المعلومة و معرفة الذات و الاهتمام بالسلوك و الاداء و خوض الحياة الواقعية و التاهيل للمرحلة اللاحقة من جامعة و ما بعدها و تابعت بنفسي بعض المدارس الأجنبية بمناهج قديرة ترتقي لبناء انسان من الناحية النفسيه و الثقافية و العلمية
حيث ان بعض المدارس الاخرى الأهلية ربما تركز على الجانب الأخلاقي الا انها تفتقر لباقي المميزات
الا انني و انا اقرا عّن تاريخ المدارس الأجنبية وقعت عيني على هذا النص
تقرير ل(روبرت ساتلوف ) مدير قسم السياسة والتخطيط في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى حيث قال: " إن المدارس الأمريكية في البلاد العربية والإسلامية ليست مجرد صروح تعليمية رفيعة المستوى، بل هي سلاحنا السري في معركة أمريكا الأيديولوجية لأمركة المجتمعات العربية والإسلامية " .
فهذه المدارس انها تنحي قيم الدين الإسلامي والمسيحي والقيم الثقافية العربية الاصيلة عن الطلاب الاجتماعية والفكرية والسياسية خلال العملية التربوية والتعلمية.
،.
فهل كان هذا سابقا أم انه مازال مستمرا يحتاج الأعتراف هذا وقفه للنقاش..

الاسرة ودورها
لاشك ان الاسرة هي الأساس في حماية النشء ولا يقتصر دورها في ممارسة الرقابة فقط بل يمتد كما يؤكد خبراء الاجتماع بل مشاركة ابناءها في الحوار و تبادل الثقة، لإشعارهم بضرورة إشراك ذويهم في معرفة كل ما يتعرضون له من دون خوف من رد الفعل.
فاستخدام أساليب الترهيب أو بث الخوف في نفوس الأبناء بصفة مستمرة، يدفعهم إلى احتراف الكذب واللجوء إلى سلوكيات سلبية، من بينها تعاطي المواد المخدرة وادمانها.
ووفقا لتأكيدات علماء الطب النفسي وعلاج الإدمان، فأكثر الحالات عرضة للإدمان تكون لأشخاص لديهم أمهات اما افرطن في تدليل صغارهن، أو انهن بالغن في استخدام القسوة ضدهم، مما احدثا بداخلهم خللا نفسيا.

إدارة الازمة
في تقديري ان الكوارث الأخلاقية التي يعيشها طلاب المدارس العامة والأجنبية المختلطة تتطلب رفع حالة الاستنفار الأمني الاجتماعي، وهو ما يعني ان كل مؤسسات الدولة تستنفر لكي تتعامل مع هذه القضية وفقا لعلم إدارة الأزمات في إدارة المشاريع والمخاطر، فالمجتمع في هذه الحالة مطالب بمعالجة المسبب والبحث عن حل مؤقت وحل آخر جذري في ذات الوقت.
وتنطلق إدارة هذه الازمة من الاسرة لكي تفعل دورها الرقابي وتعزز القيم الدينية والروحية في نفوس أبنائها، كما الاعلام كفاعل رئيسي في تشكيل الوعي، وذلك بوضع خطط ممنهجة للسلوكيات الأخلاقية فيما تبثه من قيم واخلاقيات بشكل فني رفيع المستوي وشيق للناشئة ونشر برامج توعوية للأبوين والابناء معا للتحذير من رفقاء السوء وللتحذير من مخاطر الإدمان.

دور الامهات
برأيي، ان الأمهات تقع عليهن العبء الأكبر في إدارة هذه الازمة الأخلاقية، لانها المنبع الذي يخرج للمجتمع مواطنا صالحا او طالحا، ومن ثم فان الأمهات مطالبات بالوعي في تربية صغارهن من خلال اشغال الأبناء بالتفكير في العابهم ومشاركة الأمهات فيها ثم مراقبة على تصرف غريب يصدر عنهم ومناقشتهم فيه. كما يجب علي الأمهات ان يوسعن صدورهن للصغار ليقولوا كل ما في نفوسهم من احاديث واسئلة لكي يتم تصحيح ما يقولونه أولا بأول. كما يجب على الأمهات استغلال كل فرصة لتنمية الوازع الاخلاقي و الروحاني لدى الأبناء، وتربية الضمير اليقظ داخلهم. مع مساعدة الأبناء على ملء أوقات فراغهم في أنشطة اجتماعية في الجمعيات الخيرية وغيرها بجانب حفزهم على ممارسة الأنشطة الرياضية و النشاطات الاجتماعية و اصدقاء القدوة الحسنة .