السبت، 18 يوليو 2020

وباء الالعاب الالكترونية أشد فتكا من كورونا

 يحتاج الاطفال والمراهقين الى اللعب كحاجة اساسية في نمو قدراتهم العقلية والنفسية والبدنية، حيث يمنحهم اللعب متعة التسلية والترفيه والتفاعل الانساني وتنشيط ملكات الخيال الابداعي بجانب التخلص من الطاقات السلبية وتحقيق الاسترخاء.


هذه الحاجات الانسانية استغلها مبتكرو الالعاب لاشباع حاجات هذه الفئات العمرية عبر العاب الفيديو وغيرها وتطويرها عبر اشكال عديدة من الالعاب الالكترونية التي غزت شاشات المحمول والكمبيوتر لتحقق ارباحا مالية طائلة مستفيدة في ذلك مما تتضمنه هذه الالعاب من الغاز واثارة وتشويق.

حققت الألعاب الالكترونية اهدافا ممتعة  كوسيلة للتواصل والمشاركة والتفاعل الاجتماعي، مع الأصدقاء والإخوة والأشقاء، وبين الآباء والأبناء، حيث يجري اللعب ضمن إطار اجتماعي متفاعل. كما انها تنمي الذكاء عند الطفل وتوسع مداركه حيث تزيد من مستوى التركيز والتدقيق والفهم، وتنمّي التفكير بطريقة حل المشكلات، والتوجه إلى الهدف.

وعملت الالعاب الالكترونية خاصة الفنية والموسيقية علي تنمية الوظائف الإدراكية من خلال تطوير هيكل الدماغ، وخلق مسارات عصبية جديدة وأجهزة إرسال لتحسين الأداء.

الألعاب الالكترونية تشبه في معظمها الألعاب الرياضية التي يمارسها اللاعبون، لكنها تدار من خلال أجهزة التكنولوجيا، مثل: جهاز التلفاز، والهاتف المحمول، وجهاز الكمبيوتر، وغيره، لكنها تسببت في غرس الميول العدوانية والاتجاه الي القتل واشكال متعددة من الجرائم في نفوس الاطفال والمراهقين مما بات يهدد سلامة المجتمعات وامنها الداخلي.

بل وتحولت هذه الالعاب الي ادمان أقرت به منظمة الصحة العالمية عام 2018، في الوقت الذي غفل فيه معظم الاباء والمربون عن مخاطر هذه الالعاب او على الاقل قللوا من تأثيرها لانشغالهم بعملهم وربما حياتهم الخاصة وانعزالهم عن ابنائهم وغياب التواصل الاسري الفاعل والحوار المشترك او الحياة الاجتماعية المستقرة.

فرح الاباء بتعلم صغارهم بعض مفردات اللغة الانجليزية، وتفاعلهم مع تكنولوجيا العصر الرقمية، وقدرتهم علي فتح باب للحوار مع الاخرين، متغافلين بذلك عن ان صغارهم يتواصلون مع غرباء مختلفين في ثقافتهم وافكارهم وميولهم واهدافهم وعاداتهم وتقاليدهم، وان بعض الالعاب الالكترونية تدس السم في العسل حين يتشرب الابناء منها ثقافة العنف والقتل وتدمير الممتلكات ومواجهة رجال الشرطة او الدخول في حروب ناهيك عن استغلال الاطفال من جانب الجماعات الارهابية وامكانية تجنيدهم لاحقا فيقعون في فخاخ منصوبة بدقة على ايدي شياطين الانس.

ربما جاء وباء كورونا ليوقظنا علي حقيقية شديدة المرارة، وهي ان مجتمعاتنا تعيش منذ سنوات في ظل وباء الالعاب الالكترونية وان العزلة الاجتماعية في المنازل ساهمت بشكل كبير في زيادة مبيعات الالعاب الالكترونية واستخدامها بشكل مفرط، حيث ارتفعت اسهم شركات الالعاب في البورصات العالمية بسبب تزايد اللاعبين النشطين.

يؤكد ذلك  تقرير أعدته شركة الإنترنت الرائدة «تنسنت» ولعبة «ببجي موبايل»، أظهر أن قيمة سوق الألعاب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تبلغ نحو 6 مليارات دولار بحلول عام 2021، وذلك مقارنة بحوالي 4.8 مليار دولار في عام 2019.

ولاشك ان ذلك سيلقي بعواقب وخيمة علي حياتنا الاجتماعية والأمنية بعد انتهاء وباء كورونا حيث ستتعاظم افكار العنف والجريمة لدي الاطفال.

تعريف الالعاب الالكترونية

الالعاب الالكترونية تعرف بأنها سلعة تجارية تكنولوجية وتمثل جزءا من  الثقافة الرقمية الحديثة وتهدف للمتعة والتسلية  لكنها تخرج عن هذا الغطاء الي مضامين اخرى اكثر خطورة على الفرد والمجتمع.

بدأت الالعاب الالكترونية بين عام 1967 م وعام 1969 م  بالصندوق البني وهو أول نظام ألعاب فيديو متعدد اللاعبين و البرامج و مهد الطريق إلى تطوير العاب الفيديو حتى وصلت الى هذا الشكل الحالي.

أنواع الألعاب الإلكترونية:

تتعددالألعاب الإلكترونية حسب طبيعتها، فهناك  ألعاب المحاكاة كالتي تحاكي الواقع، مثل ألعاب سباق السيارات، أي تحاول إدخال اللاعب في أجواء تشبه الحقيقية.

وألعاب القتال: تلك التي تعتمد على النزالات والمعارك والحروب وما يندرج أسفل منها من أفكار.

وألعاب الحركة: وهي تعتمد على فنون الحركة من قفز وتسلّق وما إلى ذلك من أنشطة بدنية.

وألعاب المغامرات: ويندرج أسفل منها الألعاب التي تقوم على لغز وعلى اللاعب المساعدة في حلّه.

كما تتعدد العوالم الافتراضية، ومنها العوالم المخصّصة للتعليم التي تحاول خلق فرصة مناسبة للتعليم والتلقين، وهي من إيجابيات بعض الألعاب الإلكترونية.

العوالم المخصّصة للترفيه والتسلية، العوالم الموجّهة وهي التي تمثل مكمن الخطورة لانها تبث فكر معيّن عبر البيئات الافتراضية التي تخلقها للاعب، منها ما يعلّم المتلقّي العنف أو الإرهاب أو التفكير المنحرف يه.

خطورة الالعاب الالكترونية

خطورة الالعاب الالكترونية تكمن في جعل الصغار يعيشون في عالم افتراضي وباستخدام مستوى هائل من التطور التقني يصبح هذه العالم الافتراضي  أقرب إلى العالم الحقيقي بسبب المحاكاة والتفاعل والتأثير البصري والصوتي والحركي، بجانب تنوع هذه الألعاب وجاذبيتها الي سقف الإدمان، وتسبب الكثير منها الحاق اضرار نفسية بالصغار، وبعضها الاخر مستوحى من الصراعات والحروب وتشكل به سلوكاً عدوانياً عند الأطفال والمراهقين وقد يدفعهم الى محاكاة هذه الحروب اذا ما تم استغلالهم من جانب الجماعات الارهابية.

وللأسف فان بعض هذه الالعاب تكسب الصغار مهارات شديدة السلبية بدءا من تعلم الألفاظ السوقية والعنصرية والألفاظ البذيئة مرورا بالعاب تحتوي على مشاهد جنسية متنوعة بعضها يرتكب فيها جرائم اغتصاب والبعض الأخر جرائم تحرش جنسي وهو ما قد يعتقد الاطفال معه انه مسلي ويمكن تطبيقه علي ارض الواقع.

وللأسف فان صانعو هذه الالعاب يستعينون بعلماء نفس وخبراء في الأعصاب والسلوكيات حتى يتم تصميم لعبة أكثر جاذبية مع التركيز على تقنية الإقناع، وتدور حروب بين الشركات المصعنة لهذه الالعاب للاستحواذ على عقول الصغار والناشئة ويحققون من وراء ذلك اعلى الارباح التي قدرت بأكثر من ١٣٧ مليار دولار.

لعبة Fortnite

حقتت أرباحا عام ٢٠١٨ أكثر من ٣ مليار دولار، وهي مشهورة بين الأطفال الذين عمرهم أقل من ١٢ عام، وتحتوي على الكثير من مشاهد العنف التي لا تصلح الا للأطفال الذين يبلغ أعمارهم اكبر من ١٢ عاماً. واللعب فيها  جماعي ومع أشخاص مجهولين وداخل العوالم الافتراضية دون ان يكون هناك  سيطرة على محتواها.

وقد اثبتت الدراسات والأبحاث إن الألعاب الإلكترونية تسببت في وقوع المآسي خلال الخمسة والثلاثين عاماً الأخيرة بازدياد السلوك العنيف وارتفاع معدل جرائم القتل والاغتصاب والاعتداءات الخطيرة بالمجتمعات.

كل شعوب العالم شهدت وقوع ضحايا ابرياء لهذه الالعاب، مثل لعبة الحوت الأزرق ومريم وكذلك ببجي وغيرها، والتي دفعت مراهقين إلى الانتحار والقتل والعنف، ورغم ذلك فان هذه الجرائم تعد نقطة في بحر مخاطر الالعاب الالكترونية المتوقعة، حيث تقود تقنية الواقع الافتراضي الي زيادة نسبة العنف بين اللاعبين عبر توافر أجواء خيالية يشعر فيها اللاعب أنه داخل الحدث يقاتل بنفسه، ويسرق ويفكر بعبقرية في الهروب من الشرطة.

وقد تدفع الالعاب الالكترونية الاطفال الصغار الى السرقة وربما احترافها حتى لو بدأت بسرقة الالعاب التي يحبها من المتاجر والاسواق لتصبح عادة سلوكية منحرفة  بعد ادمانه لهذه الالعاب.

أسباب انهماك الاطفال في الالعاب الالكترونية

 للاسف، فان كثير من الاباء والامهات تسببوا في ادمان صغارهم لهذه الالعاب، بتوفير هذه الالعاب  للابناء بغية اسكاتهم، والبعض الاخر من اولياء الامور تجاهلوا اهمية القيام بدورهم الرقابي على الابناء مع غياب للغة الحوار وظهور حالة من التوحد، وكل هذه العوامل توفر للصغار بيئة غير سوية نفسيا وجعلتهم نهبا لالعاب الالكترونية وتجارها وسمومها بما تبثه من ثقافة عنف دموي وهدم للمقدسات والقيم والهوية العربية وغرس روح الانانية واللامبالاة.

وعلى ذلك فان  قتل أحد الطلبة مستخدمي لعبة" ببجي" لمعلمته، يبدو امرا طبيعيا في ظل ثقافة هذه الالعاب التي تحقق اشباعا كبير من مغذيات العنف والرغبة في التدمير.

والطامة الكبرى ان بعض هذه الالعاب تركز على تشكيل جماعات وعصابات والتواصل بين اللاعبين صوت وصورة من كافة أنحاء العالم ومن كلا الجنسين.

مشكلات صحية

وتسبب ممارسة الالعاب الالكترونية في حدوث العديد من المشكلات الصحية مثل: إجهاد العين، والسمنة والكسل، والركون إلى الراحة، وعدم ممارسة الرياضة بشكل منتظم، والادمان، وفي هذا السياق كشفت مجلة المعلم  في دراسة لها عن قياس درجة إدمان استخدام الهاتف المحمول؛ عن أن الأطفال يعجزون عن التخلي عن أجهزتهم الإلكترونية لأكثر من 30 دقيقة، وخصوصًا مع الهاتف النقال.

والمفزع ايضا ان هذه الالعاب، قد ألهت الصغار عن الدراسة وجعلتهم يعزفون عن التحصيل الدراسي، مع تراجع دور الاسرة والعالم والمؤسسات الدينية، بل انها شجعت المراهقين على الهروب من المدارس.

توصيات

وهنا يجب على الحكومة الاردنية باجهزة اتصالاتها بذل الجهد لحجب هذه الالعاب الخطرة، وتوعية مستخدميها وذويهم بخطورة هذه الالعاب.

ويجب ان يكون هناك مراقبة من الأسرة في المنزل للصغار وعدم تركهم فريسة سهلة لهذه التكنولوجيا المتطورة، والتحرّي عن الأشخاص الذين يلعبون معهم وأعمارهم.

منع الاطفال أقل من سنتين إلى 3 سنوات من استخدام الهواتف المحمولة واستبدال حاجتهم للعب بادوات التلوين والصلصال والقصص والألعاب الحركية والمكعبات والكرة.

بذل جهود خبراء التكنولوجيا الرقمية في بلادنا الى ابتكار بدائل وأنشطة لجذب الشباب والأطفال خارج تلك الألعاب الإلكترونية، مثل إنشاء محتوى للألعاب الإلكترونية الهادفة وعمل مسابقات عليها يتم من خلالها جذب مستخدمي تلك الألعاب.

تشجيع الشباب الاردني لابتكار ألعاب مماثلة تكون تحت إشراف محلي، وبدعم من بعض المستثمرين الوطنين الشرفاء.

تشريع  نصوص قانونية يجرّم الترويج للألعاب الإلكترونية التي ثبت مخاطرها الفكرية والامنية.

للاعلام والمؤسسات الاجتماعية والثقافية والمدنية دور مهم جدا من خلال تنظيم حملات توعوية للاسر بمخاطر هذه الالعاب، ودفعهم الى مشاركة الأطفال هذه الألعاب ومعرفة محتواها، واختيار الألعاب المفيدة لهم والتي تحفزهم على الإبداع، وقضاء وقت أطول بين أفراد العائلة لتقوية الترابط بينهم.

يمكن نشر الوعي بين الاباء بانواع الالعاب المفيدة للأطفال، لتنمية أساسيات الكتابة والقراءة لديهم وشراؤها من المتاجر الموثوق بها.

وفي ظل كورونا، اعتقد انه من الضروري العمل علي نشر الوعي باهمية الألعاب التنموية والتي تحتاج إلى تفكير كالشطرنج والألعاب الرياضية والعاب الالغاز وغيرها والالعاب الرياضية التي يمكن ان تمارس في المنازل.

تشجيع الاباء ومؤسسات الاعلام للصغار على تنمية مواهبهم الاخرى كالموسيقى والرسم والنحت وكتابة الادب، او غرس ميول جديدة مثل تربية الحيوانات واقتنائها مثل الحمام والعصافير والقطط لشغل وقت الفراغ ولتبادل التفاعل الانساني مع الطبيعة.

وتبقى مشاركة الاباء مع ابنائهم لحظات لعبهم خطوة مهمة في تجنب مخاطر هذه الالعاب، وان لم يكن للاباء قدرة على اللعب او فهم هذه الالعاب فيمكن ان يطلبوا من ابنائهم تعليمهم اياها ليشاركوهم فيها ومعرفة ابعادها وكشف ما فيها من مخاطر وتوضيحها للابناء.

الجمعة، 10 يوليو 2020

‎ثقافة الحوار ضمان لسلام الدول والشعوب

 يعاني مجمتعنا الانساني اليوم من تناحر وحروب وتعصب وكراهية وقطيعة وعداوة بين الناس، وأدت الى جرائم الارهاب البشعة نتيجة تفشي امراض التسلط والقهر وغياب ثقافة الحوار في المجتمع رغم انتشار العلوم والمعارف، وكأننا نعيش عصر الجاهلية في زمن الالفية الثالثة للميلاد !!!


‎واظن ان قضية تفعيل الحوار بين الافراد والمجتمعات والشعوب والدول من شأنه ان يوظف قدرتنا الثقافية والمعرفية لتحقيق التفاهم والتواصل الانساني والتعاون في حل المشكلات والخلافات المشتركة بروح التسامح والصفاء بعيدا عن العنف والاقصاء.

‎وبما ان أي حوار يهدف الى معرفة وجهات النظر المختلفة لفهم القضايا الخلافية من زوايا متباينة وتوصيل الحقيقة للآخرعن اقتناع وقبول، وإقامة الحجة ودفع الشبهة والتصدي للأفكار المنحرفة كالأفكار التي تدعو إلى التحريض والتطرف وتبث أسباب الكراهية والفرقة وتهدد وحدة الأمة وتماسكها.

‎فان القبول بمبدأ الحوار يبدو صعبا للغاية خاصة في ظل انتشار الانانية والتعصب للرأي ونتيجة حتمية لغياب ثقافة الحوار كسلوك انساني نتبادله في حياتنا اليومية كما نتبادل الماء والهواء ولقمة العيش.

‎ثقافة الحوار
‎الحوار عندما تتشربه المجتمعات يكون جزءا اصيلا من تفكيرها ونمط سلوكها اليومي، وقد تجلت قيمة الحوار كثقافة انسانية ضروية ملحة في ألفيتنا الثالثة للميلاد، خاصة بعد ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وبذلك صار قبول الآخر والحوار معه ضرورية كونية فرضتها معطيات عصرنا.

‎فالثقافة الكونية التي نعيش معطياتها فرضت علينا جميعا بحث سبل العيش معا في قرية كونية صغيرة وفق حوار انساني وحضاري، وهنا فان " ثقافة الحوار" في زماننا قد اتسعت رقعتها لاقصى مدى، فهي تقوم على قاعدة رؤية تشمل المخالفين لنا وتلتمس لهم الأعذار وتعطي لهم الحق في الاختلاف والتعبير.

‎والمفهوم الواسع لثقافة الحوار يشمل كل العملية التعليمية في المدراس او الجامعات، فلم يعد التعليم قاصرا على تعلم المعرفة وتعلم التطبيق، بل امتد لتعلم كيفية ان نعيش مع الآخرين ونحاورهم.

‎ووفقا لهذا الاتساع لدائرة ثقافة الحوار، فان التقارب الفكري والثقافي بين الشعوب والحضارات صار ضرورة حياتية لتحقيق التعايش الانساني المشترك، فنحن بنو البشر محتاجين لبعضنا لفهم الحقيقة وانه لا يمكن لأحد بمفرده ان يمتلكها، مما يعني ضرورة الاعتراف بقيمة الآخر وقدرته، وان الحوار معه هو جزء اصيل من أخلاقيات التفاهم الدولي وبناء أسس التعايش السلمي.

‎ثقافة الحوار ضرورة
‎ومن هنا يجب تكريس ثقافة الحوار عبر المؤسات المختلفة بدءا من مؤسسة الاسرة عبر الحوار المتكافئ بين الوالدين وتوريثه للابناء وتوجيهم خلال مراحل التنشئة، مرورا بالمؤسسات الدينية كالمسجد والكنسية بحيث تتضمن الخطب الوعظ موضوعات تكرس لقبول الاخر وفن التفاهم معه على أسس من الحوار الراقي المقنع بالحجة والبرهان.

‎وكذلك الحال داخل المؤسسة التعليمة وصولا للجامعة فيجب ان تغرس قيم الحوار كأساس للعلاقات الانسانية التي تنفتح على الاخر وتقبل الاختلاف معه على ارضية التفاهم المشترك

‎اما بالنسبة للمؤسسة الاعلامية بكل قنواتها الحكومية وحتى مواقع التواصل الاجتماعي، فلها دور كبير في توجيه الشعوب تجاه القضايا المحلية والعالمية، ولذلك يجب فيمن يتصدى للعمل الاعلامي ان يكون ملتزما بأداب الحوار وثقافته لينتقل ذلك تباعا الى الملتقي فيصبح سلوكه حضاريا.

‎وكذلك دور المؤسسات السياسية الحكومية او المعارضة، حيث يجب ان يكون لها دور كبير في ترسيخ قيم الحوار في نفوس المواطنين؛ لانهم يتكلمون بإسم الشعب. فينبغي على السياسي ان يلتزم بمبادئ النقد البناء وان يتحلى بقيم التسامح ونبذ خطاب العنف والتطرف بشكل يعزز فكرة قبول الحوار كبديل للعنف واقصاء الخصوم السياسيين ومبدأ العيش المشترك كوسيلة للتنمية والتطور. وأظن ان غياب ثقافةالحوار في بلادنا العربية حولتها الى ارض محروقة ينبت فيها النبات الشيطاني والارهابي فقضي على الامن والاستقرار، وعلى ذلك يبقى الحوار هو الضامن لمجتمعات آمنة ومستقرة.

الأربعاء، 1 يوليو 2020

توظيف كورونا في مؤامرة

 رغم وحشية الرأسمالية الجديدة فقد حافظت بعض قطاعات الطبقة الوسطى في العالم على تماسكها وعدم انزلاقها الى خط الفقر، حتى جاءت حائحة كورونا والتي لم تنته بعد وبحسب تأكيد العلماء والمختصين ان لها موجات اخرى ولا يعرف العالم اين ستنتهي في ظل عدم توافرعلاج ناجع لها حتى الآن، فان الطبقة الوسطى قد تختفي من خريطة العالم اذا ما استمرت هذه الجائحة بكل تداعياتها الاقنصادية وتسبب في غلق النشاط الاقتصادي.


يبدو في ظل هذا الواقع القاسي ان كورونا مؤامرة صنعت من أجل الاجهاز على الطبقة الوسطى في العالم وخاصة في دولنا العربية الهشة اقتصاديا ليزداد الاغنياء ثراء والفقراء فقرا مدقعا وتنزلق الطبقة الوسطى الى هاوية الفقر.

هذا الواقع أكده مؤخرا تحذير المدرسة الروسية العليا للاقتصاد من انتشار الفقر بين ممثلي الطبقة المتوسطة وبحسب ياروسلاف كوزمينوف، عميد المدرسة الروسية العليا للاقتصاد، فان دخل جميع طبقات المجتمع الروسي، والطبقة المتوسطة بصورة خاصة، قد تراجع  نتيجة أزمة الاقتصاد الوطني المتصلة بتدابير الحد من تفشي كورونا.

وأعرب عن قناعته بأن الأغنياء سيبقون أغنياء حتى بعد فقرهم، والفقراء سيبقون فقراء، أما الطبقة المتوسطة، التي تحمل الآن العبء الأكبر، فهناك مخاطر جدية من أن تنزلق نحو الفقر.

وبينما أتخذت الحكومات عدة اجراءات لدعم الفقراء ومحدودي الدخل باعانات رمزية تحفظهم من المجاعة فان الطبقي الوسطى تعرضت لازمات بخفض رواتبهم الحكومية او فقدانهم لوظائفهم في القطاع الخاص، او غلق محلات وورش اعمالهم، ناهيك الى لجوء بعض الدول لفرض ضرائب جديدة على المواطنين لتدبير اموال لمواجهة تداعيات كورونا او الغائها الدعم على بعض الخدمات كالكهرباء وغيرها كما هو الحال في مصر، أما في لبنان فقد اجهزت كورونا على الطبقة المتوسطة تماما خاصة في ظل فساد حكومي مستشري سياسي واقتصادي اضاع قيمة الليرة ورفع سعر شراء الدولار.

وفي الاردن فقد الكثيرون وظائفهم نتيجة اغلاق اصحاب الأعمال والحرف انشطتهم ودخل بعضهم في خانة الفقر.

وفي العراق التي تعاني ما تعاني من اقتصاد و فساد و قلة انتاج تاثر السوق العراقي بجائحة كورونا من حيث استيراد السلع الغذائية والمحاصيل الزراعية الذي يبلغ 12.4 مليار دولار سنويا من إجمالي الاستيراد الذي يتجاوز 40 مليارا،حيث ان الانتاج المحلي العراقي لا يصل لمستوى الاكتفاء الذاتي بسبب عدم تنفيذ قانون التعرفة الجمركية كما ان سعر صرف الدولار بصالح الاستيراد .  
مما يساهم في الازمة الاقتصادية و التنمية وبالتالي تتاثر الطبقة الوسطى و يزداد الفقر

وفي عامة البلدان تسببت جائحة كورونا في زيادة أسعار سلع الخدمات وزيادة معدلات البطالة والضرائب مما ادخلها في حالة من الركود الاقتصادي خاصة بعد ان عجزت الطبقة الوسطى عن تلبية احتياجاتها اليومية بفعل هذا التضخم.

فالتحديات الاقتصادية التي خلفتها جائحة كورنا كما ظهر للجميع حتى الآن ستقضي على ما تبقّى من الطبقة الوسطى  بفعل تراجع الانتاج والدخل الشهري والقيمة السوقية نتيجة لتحديات الملف الإقتصادي وتضاؤل الإنتاجية والمدخولات وضعف القوة الشرائية نتيجة التضخم.

واذا كانت الطبقة الوسطى تمثل القوة الشرائية الاكثر قيمة وايضا اعتدالا في العالم، فلصلاح من يتم تآكلها والاجهاز عليها تارة بفعل عوامل من الفساد وأخرى بتأثيرات الرأسمالية الجديدة، وثالثة بفعل كورونا وكأنها مؤامرة وخيانة بحق هذه الطبقة؟

الخالق العظيم جل شأنه جعل الناس درجات، وجعل الافضلية في الزمان والمكان وحتى جعل في الجنة والنار درجات، وعلى ذلك فان هذه الدرجات من سنن الله في خلقه، وكل من يحاول تغيير هذه السنن يكون وبالا على العالم، وأظن العالم لم يعد يحتمل وبالا اكبر من كورونا.

على ذلك، فانني ادعو حكومات وقادة العالم شرقا وغربا الى الحفاظ على الطبقة الوسطى من الانحدار لطبقة الفقراء، باعتبارهم عامود التوازن الاجتماعي والاقتصادي بالعالم، وأي خلل لهذا العامود يؤدي الى انهيار هذه المجتمعات.

الخميس، 25 يونيو 2020

ازمة معلمي الاردن بين الحق واصحاب النوايا غير الطيبة

 أبدع أمير الشعراء أحمد شوقي بيته الخالد في الذاكرة الشعرية العربية :

 قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا                   كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا              
أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي        يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا                
سُبحانَكَ اللَهُمَّ خَيرَ مُعَلِّمٍ                عَلَّمتَ بِالقَلَمِ القُرونَ الأولى                   
أَخرَجتَ هَذا العَقلَ مِن ظُلُماتِهِ        وَهَدَيتَهُ النورَ المُبينَ سَبيلا           
وَطَبَعتَهُ بِيَدِ المُعَلِّمِ تارَةً                 صَدِئَ الحَديدُ وَتارَةً مَصقولا
فالمعلم صاحب رسالة عملية حقيقية يبني بها بالعقول والأوطان ويصنع بها الحضارات والامجاد، وحقه ان يأخذ ما يستحقه من تقدير واحترام وعيش كريم له ولأسرته ورفع مستوى معيشتهم كي يؤدوا رسالتهم على الوجه الاكمل.
وفي تقديري ان الحكومة والقيادة السياسية بالاردن تدرك ذلك تماما، ولكن مع الازمات الخانقة التي تمر بها البلاد منذ عدة سنوات وقلة المنح الخارجية وتداعيات ازمة اللاجئين في البلاد، ناهيك عن تداعيات جائحة كورونا فرص الارتقاء بالمستوى المعيشي للمعلمين صعبة التحقيق حاليا.
وقد آثار المعلمون مؤخرا أزمة كبري من خلال مطالبتهم بعلاوة 50 بالمئة من الراتب الاساسي، في وقت اصابت جائحة كورونا النشاط الاقتصادي بالاردن وغيرها من بلادنا العربية الاقتصاد الوطني في مقتل بفعل توقف معظم الانشطة الاقتصادية.
صحيح ان هذه الازمة تعود الي العام الماضي، بينما يصر المعلمون ونقابتهم بالعلاوة المالية التي جرى اقرارها مطلع العام الجاري في ظل ازمة خانقة بالبلاد جعلت الحكومة عاجزة عن الوفاء بمطالبهم هم وغيرهم من الفئات العاملة في الوطن سواء المدنية أو العسكرية نتيجة تداعيات كورونا.
فقد أصدرت الحكومة الاردنية اول مايو الماضي قرارا بوقف العمل بالزيادة المالية المقررة لموظفي الجهازين الحكومي والعسكري لعام 2020، وحتى نهاية 2020، لمواجهة تداعيات أزمة "كورونا".
وهذا يعني ان الحكومة حققت المساواة والعدل بين جميع موظفي المملكة مدنيين وعسكريين، وعندما يصر المعلمون علي الحصول على علاوتهم في هذه فانهم يضعون الحكومة في خندق الاستجابة تحت الضغط، وان استجابت الحكومة ولا ادري كيف؟، فان ذلك يعد اجحافا بحقوق باقي الفئات الوظيفية المدنية والعسكرية التي تقبلت اوضاع البلاد الاقتصادية وقبلت بالقرار الحكومي القاضي بوقف الزيادة المالية للموظفيين حتى نهاية العام الجاري.
أظن اننا جميعا بالاردن  في سفينة واحدة وان جائحة كورونا أغرقت الكثير من بلاد العالم في ظلمات الازمات الاقتصادية، ولابد لنا جميعا مدنيين وعسكرين ومعلمين  بالاردن ان نبذل قصاري جهدنا في الحفاظ على سفينتنا من الغرق، وهذا لن يتحقق دون التعاون والتنازل عن مطالبنا وحقوقنا ولوبعض الوقت حتى نخرج بسلام من هذه الجائحة.
ولعله من الأجدر بالمعلمين الشرفاء بالاردن ان ترجئ طلب الحصول على هذه العلاوة  لحين الانتهاء من هذه الجائحة، و ان يتعاونوا مع  الحكومه، لان المعلمين هم من ينشيء المجتمع و الاطفال و يرسخ الهوية الوطنية و الانتماء.
واخيرا، فانني لست ضد متطلباتهم، بل العكس أنا مع المعلم لأنه أساس بنيان المجتمع، ولذلك فان الدول المتقدمة تعامل المعلم كأفضل مهنة وخاصة في اليابان وكندا و استراليا و المانيا، ولكني ضد من يحرك النقابات أحيانا بافتراض سوء النية من أجل تاجيج الازمات في توقيت خاطئ تماما.

الاثنين، 22 يونيو 2020

متى تعود كلمة يا هلا يا هلا / مقال للكاتبة سارة السهيل

 تناولت في عدة مقالات سابقة جوانب مختلفة من تأثيرات جائحة كورونا على البشرية تطرقت الى الاثار الصحية والترتيبات اللازمة لمكافحة هذا الفايروس و القضاء عليه و تناولت تارة ابعاد كورونا السياسية و في تارة اخرى تحدثت عن الظروف الاقتصادية اثناء الجائحة وبعدها و تناولت ايضا كورونا و الرومانسية الحالمة و لكن بقي جانب مهم لم اتحدث عنه رغم خطورته اذا ما استمرت الجائحة و امتدت زمنيا لفترة اطول لتسرق من اعمارنا اشياء كثيرة

اهمها الوقت وقيمة العمل و الاداء و لا يقل عنها اهمية الحالة النفسية الناتجة عن الخوف و القلق سواء المحجورين او المرضى او الاصحاء فالجميع يعيش في خوف و قلق ناهيك عن الشعور بالعيب و العار لدى المصاب الذي يذكرنا بالشعور الذي ينتاب مرضى الايدز الذي اشيع انه ينتقل بسبب الافعال المشينة و الممارسات المنحلة و رغم انه سبب لبعض الاصابات الا ان البعض الاخر اصيب بسبب نقل الدم او اي طريقة بريئة اخرى فنجد ان مصابي كورونا يشعرون بذات العار رغم اختلاف اسباب العدوى لهذا الفايروس الذي يتفشى لاقل و ابسط سبب.

ربما تضخيم وسائل الاعلام و المنشورات في وسائل الاتصال الاجتماعي ادت لهذا الشعور السيء لدى المصاب الذي نتج عنه اخفاء الكثير من المصابين للاعراض و انكار المرض خوفا من ردود افعال الاهل و الجيران و المعارف
رغم كل هذه المآسي التي لحقت بالناس من موت احباب واصحاب الا ان الخطر الاكبر هو تأثر الحياة الاجتماعية بعد كورونا بعادات التباعد الذي نبذ التلاحم و التراحم و التزاور و صلة الرحم احيانا و عيادة المريض (بغير كورونا) او بغير الامراض المعدية.

فهل تصبح هذه الحياة الخالية من الاصدقاء و الاقارب و التجمعات العائلية وجلسات السمر في الحدائق مع الجيران هي الدارجة حتى بعد كورونا، وخاصة في حياتنا نحن العرب او الشرق اوسطيين الذي يميزنا هو دفء المشاعر و صلة الارحام و العلاقات المتلاحمة والمترابطة بين افراد المجتمع من اهل و عشيرة و جيران و احباب،ماذا عن الحب و الاحباب و لو تجنبنا المتزوجين لانهم في بيت واحد ماذا عن المخطوبين فبحكم دراستي لعلم النفس و الارشاد الاسري و العلاقات الاسرية اجد ان هذه الجائحة تشكل خطر كبير على هذه العلاقات كافة، بما فيها تاثيرها على روابط الازواج والمخطوبين الذي يمنعهم كورونا من التواصل و يفرض عليهم التباعد و قد تحدثنا كباحثين عن نسب الطلاق المتزايدة في العالم العربي و التي تبلغ على سبيل المثال في الاردن نسبة ٧٠٪؜ الى ٧٦٪؜ حيث كانت 85% نسبة الطلاق في الفئة (20-40) عاما.. والمتعلمات 588% إلى الأميات، بواقع 60 حالة طلاق تقع يوميا في الأردن، اما في الكويت 62.7% نسبة حالات الطلاق من إجمالي حالات الزواج، اما في مصر حالة طلاق واحدة كل 4 دقائق 40% من حالات الزواج تنتهي في غضون 5 سنوات، اما في السعودية هناك 7 حالات طلاق كل ساعة، اما في العراق ف 10 حالات طلاق كل ساعة حيث وقعت أكثر من ثماني حالات طلاق في البلاد بكل ساعة خلال العام الماضي بـ 79 ألف و569 حالة.

فكيف ستؤثر جائحة كورونا في نسب الطلاق خاصة بين المحجورين من الازواج معا رغم عدم التفاهم و التلاقي ؟
وبما ان الجميع مهتم بالازواج و لا احد ينظر لحال المخطوبين او العاقدين قبل اتمام مراسم انتقال العيش في بيت واحد فهل نتصور كم عقد او دبلة خطوبة سوف تنزع من ايدي المحبين بعد هذا الحصار النفسي و الاجتماعي الذي حرمهم من اللقاءات بغرض التفاهم و التقارب وسط الاجواء الاسرية بما شرع الله من لقاء لهم او التحضيرات للزواج من مستلزمات البيت والمفروشات وخلافها او حتى من الناحية الاقتصادية فالكثير من الشباب المقبل على الزواج يعيش قوت يوم بيوم من العمل اليومي او حتى الوظائف التي تأثرت بخصم الرواتب الى النصف فكيف سيتمكن من اكمال مصروفات الزواج.

و ان عدنا الى تضرر العلاقات الاسرية بين الاخوان و الاخوات و الابناء مع اهاليهم الذين يعيشون في بيوت منفصلة او مناطق اخرى، يشتاقون لبعضهم البعض و يتوقون لاستعادة الايام التي مضت من جلسات سمر و حب و موائد الطعام الشهي من ايدي المحبين.

ازاح الله عن الامة هذه الغمة و اعاد المياه الى مجاريها بين الاسر و الاحباب و الأصدقاء، وحتى نعود لهذه الحياة التي عرفنا قيمتها حين فقدناها اتمنى من الجميع الالتزام و تحمل هذا البعد حتى تنتهي الجائحة على خير الا ان هذا المقال للفت النظر حتى لا تصبح هذه الاحتياطيات الوقائية عادة و نعتاد البعد و الجفاء و نكتفي بالهواتف المحمولة و اللقاءات السريعة و الرسائل القصيرة و نتوحد مع انفسنا بعدما كنا متفتحين بقلوبنا المرحبة و ايدينا المصافحة و السنتنا المهللة المرددة يا هلا يا هلا.

الجمعة، 19 يونيو 2020

في زمن الكورونا .. الاطفال بين العمل والتسول

 مع الانحسار الجزئي للحظر المفروض على حركة الناس جراء جائحة كورونا، وعودة بعض الانشطة الاقتصادية للعمل، كان الأطفال العاملين والمتسولين أكثر ظهورا في المشهد خاصة عند الاشارات الضوئية وعلى محطات سيارات الأجرة ، ويتوزع نشاطهم بين التسول وبيع بعض المعقمات او المطهرات والمناديل الورقية.


ورغم ان وباء كورونا غير قاتل للاطفال او اقل ضررا عليهم حسبما ذكر بعض العلماء المتخصصين ، الا انهم لم يستبعدوا تأثيره السلبي ، وكونه يجعل منهم مصدرا لنقل الوباء لذويهم والمتعاملين معهم.

وقبل جائحة كورونا قدرت المنظمات الدولية عمالة الاطفال بالعالم بنحو 152 مليون طفل،والجائحة قد تدفع بالمزيد من الاطفال بالعالم الى سوق العمل او التسول ، نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية وتخفيض الرواتب وتسريح بعض من العمالة اليومية المؤقتة .

وفي دولنا العربية لجأت العشرات من الأسر الى دفع اطفالهم لممارسة التسول لتحصيل عائد مالي يلبي حاجاتهم الاساسية من الطعام خاصة بعد نفاذ مدخراتهم خلال الأشهر الماضية من اندلاع الجائحة.

وفي كثير من العواصم العربية والإقليمية ، تفشت ظاهرة التسول بين الصغار والكبار.

وفي مصر فان الازمة الاقتصادية الناتجة عن الجائحة عملت على ارتفاع معدلات الفقر،ومن ثم زيادة الأطفال المتسولين وبائعي المناديل المعطرة على إشارات المرور .

وفي الأردن فان ظاهرة عمالة الاطفال زادت بشكل ملحوظ ، و وفقا للمسح الوطني لعمل الأطفال والذي أجري عام 2016، يقدر عددهم بنحو 76 الف طفل، اضيف اليهم جراء جائحة كورونا المئات من الاطفال المتسولين .

فمع انحسار سوق العمل بات التسول خيارا وحيدا امام عشرات الاسر التي فقدت عائلها بالوفاة المفاجئة أو وقفه عن العمل ، فيصبح الطفل في ظل توقف النشاط الاقتصادي عائلا وحيدا لها عبر احتراف مهنة التسول مع تحول الاطفال العاملين الى متسولين بسبب توقف سوق العمل نفسه.

وفي ايران حيث تفشى الوباء يخشى من إصابة العديد من الأطفال العاملين، فحوالي 9 ملايين طفلا قد يتعرضون لمخاطر فيروس كورونا او يسهمون بنقله ونشره ، خاصة وأن نسبة كبيرة منهم يعمل في جمع القمامة من المنازل .

معظم الاطفال المتسولين بالدول العربية تتراوح أعمارهم بين ٣ سنوات و٩ سنوات،يبيعون مناديل ورقية ومنتجات قد يكون بعضها مغشوشا، ويتجمعون بصفة خاصة على الإشارات الضوئية بالمناطق الصناعية، ويستغلون توقف السيارات ليقتربوا من سائقيها لاستعطافهم وبيعهم ما يحملونه من بضاعة، ويطرقون بأيديهم بشكل متواصل على نوافذ المركبات حتى يتمكنوا من عرض بضاعتهم على قائدي المركبات.

و في العراق حسب احصائية منظمة الطفولة العالمية العام الماضي ان نسبة عمالة الاطفال, وصل اكثر من نصف مليون طفل دون 15 عام في العمل فما الذي جرى عليهم بعد كورونا فلا بد ان العدد ازداد.

ورغم ان معظم الدول العربية لا تسمح بعمالة الاطفال دون سن السادسة عشر، غير ان الواقع يؤكد استمرار عمل الاطفال دون هذه السن، بل وتحول الكثير منهم الي التسول جراء الحروب كما في اليمن وسوريا والعراق، واليوم جراء جائحة كورونا، والذي يتوقع معها زيادة نسب عمالة الاطفال والتسول في صفوف الأسر التي فقدت عائلها بالمرض او فقده لعمله.

نحن أمام مأساة حقيقية، بين حقوق الفقراء قي لقمة عيش، ونشر المرض، فالجائع لا يعبأ بالمرض ولا نقله للآخرين. وفي تقديري ان العالم كله مسؤول عن حماية الاطفال من المرض والتسول ومن الجوع والفقر، بينما يتمرغ العشرات من الاثرياء في نعيم ثروات هائلة وقد يتبرعون ببعض الأموال في دولهم الغنية لكنهم لا يقدموا مساعدات للدول الفقيرة.

ولا توجد تشريعات دولية تلزم هؤلاء الاثرياء بتقديم يد العون والمساعدة للشعوب الفقيرة في العالم وقت الأزمات، بينما القوانين الوطنية نفسها عاجزة عن القيام بالزامهم بالقيام بدور اجتماعي لمواجهة آثار الجائحة والتي مازالت قائمة .

أظن المؤسسات الاجتماعية الرسمية ومنظمات المجتمع المدني في دولنا العربية يقع عليها عبء رصد اوضاع المحتاجين والفقراء ومساعدتهم ماليا وتوفير فرص عمل منزلي،ووضع خطط تنموية لتدريب الاطفال المتسولين علي اعمال يدوية منزلية تدر دخلا يلبي احتياجات أسرهم اليومية

الاثنين، 15 يونيو 2020

كورونا والتفكير خارج الصندوق / مقال للكاتبة سارة السهيل

 كما عصفت جائحة كورونا بأماننا الصحي والنفسي والاجتماعي، فانها عصفت بأماننا الاقتصادي، وباتت حتى هذه اللحظة الجهود الدولية والاقليمية والوطنية عاجزة عند سقف محاصرة الوباء والتخفيف من وقع الازمات الاقتصادية المتسارعة الناجمة ، عبر تقديم مساعدات عاجلة لبعض الفئات المتضررة لا تفي بالغرض .

إن هذه الجهود لم تستطع وقف تدهور الاوضاع وزيادة معدلات الفقر في العالم شرقا وغربا والتي يتوقع ان تتسع رقعتها خاصة في الدول النامية ، ودولنا العربية التي تعاني من أوضاع اقتصادية متردية.
وقد أدت الجائحة الى بطالة المهنيين والحرفيين على مدار ثلاثة أشهر، ومع العودة التدريجية للنشاط الاقتصادي العالمي مع اتخاد الاحترازات اللازمة ، لم تتقلص اعداد الفقراء بالعالم ولم تنقشع الازمات اقنصادية الطاحنة عن دولنا العربية، بل ان استمرار تفشي الوباء قد قلص من التدفقات الاستثمارية وادى الى سحب الاموال السائلة التي كانت تعتمد عليها بعض دولنا العربية في تنفيذ مشروعات تستوعب مزيد من العمالة وتحد من البطالة.
ومن المتوقع ان يدخل قطاع واسع من الفئات الاجتماعية في بلادنا العربية خط الفقر ، وغالبيتهم من الطبقة المتوسطة التي كانت تحاول على مدى العقد الأخير التشبث بموقعا على حافة الفقر ، وجاءت الجائحة لتشدها الى القاع ، بعدما انهكت خلال السنوات الماضية بفعل الارتفاعات جنونية لاسعار السلع الأساسية ، في ظل اعتماد دولنا على الاستيراد وغياب الخطط الاستراتيجية لتنمية وزيادة الانتاج المحلي الزراعي والصناعي والتكنولوجي والطبي بانواعه المختلفة.
تبدو مظاهر الفقر في المنطقة العربية مفجعة بعد أن وجهت  جائحة كورونا ضربة قاصمة  للاقتصاد العربي، ما ادى الى خسائر تصل نحو 1.2 تريليون دولار، مع توقعات بفقدان حوالي 7.1 مليون عامل وظائفهم بنهاية العام الجاري، بحسب تقرير لجامعة الدول العربية.
واذا كان تقرير منظمة أوكسفام العالمية الصادر في 8 أبريل الماضي قد حذر من أن  نصف سكان الأرض البالغ عددهم 7,8 مليار نسمة مهددون بالفقر عند انتهاء جائحة كورونا، وأن تداعيات وباء كوفيد-19 قد تجر نصف مليار شخص إضافي في العالم إلى تحت خط الفقر، فان مجموعة البنك الدولي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا توقعت في احدث تقرير صادر في30 مايو الماضي زيادة التراجع في اقتصاد دول المنطقة بسبب وباء كورونا، ليتجاوز الانكماش نسبة 5 % قابلة للارتفاع.
وأظهر التقرير نفسه ان ثماني دول تظهر فيها بشكل أكبر معدلات الفقر بين السكان هذا العام وهم الذين يعيشون على 1,9 دولارا في اليوم نتيجة التأثيرات السلبية لوباء كورونا؛ هي لبنان والعراق والجزائر وإيران والأردن والمغرب وتونس ومصر.
وتأتي لبنان في صدارة الدول المتوقع أن تشهد زيادة معدلات الفقر  بنسبة تصل 9.4 %، يليه العراق 8% بينما تأتي مصر في ذيل قائمة الدول الثماني 3.2 % إضافية في أعداد من يهبطون دون خط الفقر تسبقها تونس بنسبة زيادة 4.7 %.
واذا كان نسبة من يعانون من الفقر بالدول العربية قبل الجائحة بلغ 100 مليون شخص فان هذا الرقم قد أضيف اليه بعد الجائحة حوالي 8 مليون عربي، بفعل توقف النشاط الاقتصادي وتوقف الصادرات التحويلية وخسارتها عوائدها بكل من السعودية (40 مليون دولار)، وتونس (38 مليون دولار)، والإمارات (16 مليون دولار).
كذلك تأثرت الصادرات العربية بشكل كبير ومنها مصر حيث أوقفت تصدير البقوليات لمدة 3 أشهر؛ لمواجهة تداعيات انتشار فيروس كورونا ولتوفير احتياجات المواطن المصري، بينما حافظ الأردن على مخزون السلع الغذائية كاجراء احترازي للمحافظة على المخزون، وأوقفت وزارة الصناعة والتجارة والتموين الأردنية العمل بمنح رخص تصدير وإعادة تصدير المواد الغذائية.
أما الجزائر فقد فاجأت الجميع وتحولت الجزائر من دولة مستوردة إلى مصدّرة  للتمور والفاكهة والخضروات الى فرنسا ودول الخليج وروسيا وكندا، متجاوزةً صدمة انهيار أسعار النفط.
ولعل تجربة الجزائر وسط جائحة كورونا تفتح لنا الباب لاحياء المنتج المحلي العربي زراعي كان او صناعي، وان نحد من الاسراف في الانفاق الحكومي ، وان نتوسع في الانتاج الصناعي الوطني والقومي برؤوس اموال عربية وطنية ومخلصة تستقطب طاقات الشباب وتوظف طاقتهم في العمل لتقليص حجم البطالة في صفوفهم، ولمحاربة الفقر الذي نشب بمخالبه في اوطاننا بلا رحمة .
اعتقد ان العالم العربي في أمس الحاجة للتعاون والتكاتف ووضع روشتات علاج عاجلة لمواجهة الفقر ، وتشجيع ودعم المشروعات صغيرة ومتناهية الصغر التي تنتج في البيوت ، على غرار التجربة الصينية التي أسهمت في نهضتها الاقتصادية الهائلة .

الأربعاء، 10 يونيو 2020

هكذا يكون الشيخ مقال للكاتبة سارة السهيل

 فوضى الخطاب الديني التي تشهدها الفضائيات ، والإلتباس الذي تُحدثه الفتاوي المتباينة، أضحت ظاهرة خطيرة تسهم في اثارة النعرات الطائفية، والتي في اغلبها تتم لخدمة أهداف سياسية، مما أسهم في انصراف العديد عن الدين، وتنامي ظاهرة الإلحاد، فضلا عن تفشي الفكر المتشدد الذي يفضي الى تبني الإرهاب ، وجاء الدكتور علي جمعة ليعيد قدرا كبيرا من التوازن الى الخطاب الديني الذي ينزع الى الوسطية منهجا والاعتدال اسلوبا ، خطاب يجمع بين أمور الدين والدنيا دون افراط أو تفريط ، ويمكن اعتباره وبحق نموذجا لرجل الدين المتسامح مضمونا والرفيع خلقا والأنيق شكلا والسمح وجها.


واني لأؤكد اهمية المظهر في التأثير على القلوب والعقول وذلك من باب سيماهم في وجوههم فالوجه السمح والهندام الأنيق والنظافة التي تظهر حتى من خلف الشاشات ماهي الا قدوة ورسالة و نموذج ليرى العالم كيف يكون العالم المسلم الحقيقي.

ومن خلال متابعاتي للكثير من البرامج الدينية التي يكون ضيفها في عدد من القنوات ، لفتني تميز أداؤه ، وعمق فكره ، وغزارة معلوماته فضلا عن بساطة عرضه لصحيح الدين الحنيف بعيدا عن المغالاة والتشدد ، واثارة النعرات ، تأسيا بالرسول الأعظم والصحابة الأجلاء والسلف الصالح.

واستوقفتني حلقات برنامج " مصر أرض الأنبياء " التي بثت عبر قناة سي بي سي ، خلال شهر رمضان المعظم.

ووجدتها حلقات ممتعة ومثيرة بما تضمنته من معلومات حول الانبياء الذين ولدوا وعاشوا في مصر او مروا عليها.

ولقد مثلت تلك الحلقات اضافة نوعية وسياحة روحية ، وكشفت لنا نحن المتابعين عن كم كبير من الأنبياء والرسل عاشوا بمصر وبعضهم مر بها وآخرين تزوجوا منها ، كسيدنا إبراهيم خليل الرحمن الذي تزوج من السيدة هاجر وانجبت سيدنا إسماعيل ، وسيدنا محمد ( عليه السلام ) تزوج من ماريا القبطية ، ونبي الله نوح ترك ابنه في مصر  ووصفها بأنها أم البلاد وغوث العباد، وكذلك نبي الله يعقوب و يوسف وادريس وغيرهم.

من يستمع للدكتور علي جمعة يتميز عن الكثير من أقرانه الشيوخ بالمام الواسع باللغة الإنجليزية ، وموسوعية معرفته ، التي تبدأ من العلوم الدينية والفقهية ، مرورا بأنواع الطعام في البلدان المختلفة ، و ثقافة العيش و ليس انتهاء باسلوب الحياة المعاصر و غزارة المعلومات العامة ، فضلا عن قوة منطقه المستند الى براهين وأدلة قطعية من القرآن والسنة المشرفة ويقدمها بأسلوب سهل ممتنع ما يجعلها تصل الى جميع المتلقين من الفئات الاجتماعية المختلفة.

إن الدكتور علي جمعة يمثل النموذج الأمثل لرجل الدين القدوة الذي يسهم في تقريب الناس من الدين ونشر سماحة الاسلام ورقيه الإنساني ، والذي سبق كل الفكر الإنساني في رفع قيم المساواة والتعايش " كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربى على أعجمي ولا لأبيض على أسود الا بالتقوى والعمل الصالح ".

الدكتور علي جمعة مفتي مصر الاسبق وعضو هيئة كبار علماء الأزهر، أصدر العديد من الفتاوى الدينية التي  تدعم علاقة المسلم بدينه ودنياه وتجمع بين التراث الاسلامي والقضايا المعاصرة وتنم عن فهم عميق للقرآن وللسنة المشرفة، ناهيك عن استفادته من حب آل البيت وارتباطه بهم وتشربه تراث الصوفية مما قاده الى تبني منهج الاصلاح الديني لعلاج مشكلات العصر.

والله لا يضيع اجر المخلصين، فأسهم  الدكتور علي جمعة  بدور كبير لنشر الثقافة الدينية الوسطية أهلته  ليكون ضمن أكثر 50 شخصية مسلمة تأثيراً في العالم من عام 2009 حتى 2017 على التوالي باستثناء عام 2015، حسب تقييم المركز الملكي للبحوث والدراسات الإسلامية في عمان الأردن، وهو عضو لجنة تحكيم جائزة الملك عبدالله الثاني لأسبوع الوئام بين الأديان.

 كما منحه الملك عبدالله الثاني وسام الاستقلال من الدرجة الأولى، وتم تكريمه من قبل منظمة اليونسكو لجهوده في مكافحة الإرهاب.

أتمنى ان يكون نموذج د.علي جمعة القدوة التي يقتدي بها المفتين والدعاة وطلاب العلم الديني وطلاب معرفة فنون التعامل مع الدنيا والدين والمولى عز وجل كما افاض وشرحه بكل بساطة ويسر ووسطية مفتي مصر الاسبق نفعنا الله بعلمه وأصلح ما افسده المتشددون والجهلة بالدين.

الاثنين، 1 يونيو 2020

كورونا والرومانسية الحالمة.. الحب فى زمن «الوباء»

مقال .. كورونا والرومانسية الحالمة.. الحب فى زمن «الوباء»

على موقع المصرى اليوم 

https://www.almasryalyoum.com/news/details/1981819




سارة طالب السهيل

الإنسان لا يمكنه الحياة دون تأجج مشاعر الحب، فالحب ماء الحياة وإكسيره والإنسانية ترتبط عضويا بالحب ومنسوب الحب يتناسب طرديا مع السمو الإنسانى فى أرقى تجلياته وعكسيا مع الشر فى أدنى صوره والتاريخ الإنسانى حفل بالعديد من قصص الحب الخالدة، واكتسبت خلودها مما واجهه أبطالها من مآس وما أدت إليه من حروب، وشهدت البشرية فواجع وكوارث تحديا لصراعات الحب، وأصبحت مضربا للمثل فى الوفاء والإخلاص، وفى هذا الإطار تأتى ملاحم روميو وجولييت، وأنطونيو وكليوباترا، وقيس وليلى، وعنتر وعبلة، وجميل بثينة، وكثير وعزة، وقيس ولبنى وغيرهم من كامل جغرافيا المعمورة، ولكل ملحمة تفاصيلها التى تتفق والبيئة التى شهدت أحداثها، البعض كان يلتقى فى البوادى والبساتين وبئر الماء بعيدا عن أعين الناس، بينما كان روميو يقف لجولييت أسفل شرفة منزلها ليحظى بنظرة عشق تروى كيانه كله وتشعره أنه يعيش فى الجنة ونعيمها. الحب لا يختلف كثيرا من زمن لآخر ومن مكان لمكان،

وقد رصدت أغنية الفنان محمد عبدالمطلب وهو يروح ويغدو لحبيبته ماشيا على قدميه من منطقة السيدة زينب إلى حى الحسين بالقاهرة، تجربة خاصة عبر عنها الفنان القدير بأغنيته الشهيرة «ساكن فى حى السيدة وحبيبى ساكن فى الحسين وعشان أنول كل الرضا يوماتى أروح له مرتين من السيدة لسيدنا الحسين»، كان المحب ينتظر إطلالة محبوبته من شرفة منزلها، بينما يقف أسفل المنزل بدراجته متعللا للجيران بأى سبب لوقوفه أسفل منزل المحبوبة، كما كانت أسطح المنازل من أشهر أماكن لقاء الأحبة بعيدا عن أعين الأهل والمتلصصين، وسط موجات حب كهربائية شديدة مغلفة بأشجان الحب العذرى الطاهر بينما تسبح الرومانسية فى بحار الأشواق ولهيبها بروحانيات شديدة التألق والوجد والنور، ولقد وثقت السينما حال المحبين فى ستينيات القرن الماضى قبيل التكنولوجيا فائقة السرعة التى نعيشها، كانوا عندما يلتقون يبدون كأنهم قد خرجوا من جحيم الأشواق وسعار أنينه إلى جنة فيها ماء السلسبيل الذى يروى عطشهم ويبرد نيران عواطفهم بمجرد الرؤية والكلام، وفى الألفية الثالثة كانت المنتزهات والكافيهات والسينمات أماكن لقاء الأحبة دون حظر أو عوائق، إلى أن جاءت جائحة كورونا فوضعت الحواجز بين المحبين وعزلتهم عن بعضهم، وانحسر التواصل، وأصبح حصرا عبر وسائل التواصل الاجتماعى وكما يقال فى الأثر الإنجليزى «الحاجة هى أم الاختراع»، وكذلك القول فى الأثر الشعبى العربى «الممنوع مرغوب»، فإن جائحة كورونا قد غذت مشاعر البشر بمعانى الفقد من الأحبة، وأشعرتهم بنعمة وأهمية انتماء الإنسان لبنى جنسه وأنه لا يستطيع الحياة بدون من يكمل نقصه ويعوض فقره ويحقق به كمال وجوده على الأرض ويشعره بنعمة الأمان والسلام النفسى والطمأنينة التى لا تتحقق إلا بلقاء الأحبة، لذلك قاوم المحبون العزل الإجبارى لكورونا وتحدوها بأساليب جميلة وشيقة، وهو تحد صحى جدا من أجل البقاء والسعادة، مثلما وجدنا الشاب اللبنانى محمد الصمد عبر اليوتيوب وهو يتسلق شرفة محبوبته ليقدم لها خاتم الزواج رافضا تأجيل الخطبة لحين انتهاء الجائحة، هو مقطع هاجمه الكثير واتهموه بأنه يقلد الغرب، وبرأيى أن هذا المقطع على اليوتيوب أكد أن المشاعر الإنسانية أقوى من أى أخطار للامرأض والأوبئة وظهر العديد من قصص الحب والغرام التى قاومت كورونا وتحدتها فى مختلف دول العالم،

فقد ألقى كيوبيد بسهامه بين «أحمد» المرشد السياحى المصرى و«تشو» الصينية قبل عام وتوجا حبهما بإعلان الخطبة الرسمية فى 22 يناير الماضى أثناء زيارته للصين، لتظهر بعدها أنباء عن فيروس كورونا ووسط مطالبة الأهل لابنهم بالعودة السريعة إلى مصر واضطر للعودة لوطنه لكنه عاد أدراجه للصين ليداوى قلبه بدفء محبوبته، الحب دائما هو مفتاح التحدى لأى أزمة حتى لو كانت وباء، ولم يكن هناك وباء لاخترعه الإنسان لكى يمرر من خلاله مفتاح التحدى مثلما فعل الكاتب العالمى جابرييل جارسيا ماركيز فى روايته «الحب فى زمن الكوليرا»، فالبطل المحبوب يطلق شائعة وباء الكوليرا على السفينة التى يركبها مع معشوقته ليتخلص من المسافرين، ولتتاح له فرصة التعبير عن عشقه لها رغم أن عمرها سبعون عاما واخترع ماركيز وباء الكوليرا على لسان بطل روايته الشهيرة، إنما أكد من خلاله حاجة الإنسان للحب الحقيقى والصادق فى كل مرحلة من مراحل عمره وحتى الشيخوخة، وربما يكون الله قد من علينا بجائحة كورونا لنتخلص من رتابة حياتنا المادية وهيكلتها الرأسمالية التى قتلت فينا أجمل المعانى، ولتحيى كورونا فينا زمن الرومانسية الجميل ونستعيد إنسانيتنا بالحب الصادق ولفتنى مؤخرا وأثناء الحظر تجلى معانى الحب فى أبهى وأجل صورها، فهناك من المحبين من تحمل المشى لعدة كيلومترات فى مناخ قاس ليحظى برؤية حبيبه، ومنهم من استقل دراجة هوائية لعدة كيلومترات فى سبيل أن يكحل عينيه برؤية الحبيب، فى مشهد يعيد للأذهان ملاحم الحب الخالدة.

الجمعة، 22 مايو 2020

كورونا و الرومانسية الحالمة

 الانسان لا يمكنه الحياة دون تأجج مشاعر الحب، فالحب ماء الحياة  واكسيره ، والإنسانية ترتبط عضويا بالحب ، ومنسوب الحب يتناسب طرديا مع السمو الإنساني في ارقى تجلياته وعكسيا مع الشر في ادنى صوره.


والتاريخ الانساني  حفل بالعديد من قصص الحب الخالدة، واكتسبت خلودها مما واجهه ابطالها من مآسي وما أدت اليه من حروب ، وشهدت البشرية فواجع وكوارث تحديا لصراعات الحب ، واصبحت مضربا للمثل في الوفاء والإخلاص، وفي هذا الإطار تأتي ملاحم روميو وجولييت، وأنطونيو وكليوباترا، وقيس وليلى، وعنتر وعبلة، وجميل وبثينة، وكثير وعزة، وقيس ولبنى وغيرهم من كامل جغرافيا المعمورة ، ولكل ملحمة تفاصيلها التي تتفق والبيئة التي شهدت أحداثها .

البعض كان يلتقي في البوادي والبساتين و بئر الماء بعيدا عن أعين الناس، بينما كان روميو يقف لجوليت اسفل شرفة منزلها ليحظى بنظرة عشق تروي كيانه كله وتشعره انه يعيش في الجنة ونعيمها .

الحب لا يختلف كثيرا من زمن لاخر و من مكان لمكان ، وقد رصدت أغنية الفنان محمد عبد المطلب و هو يروح ويغدو لحبيبته ماشيا على قدميه من منطقة السيدة زينب الى حي الحسين بالقاهرة ، تجربة خاصة عبر عنها الفنان القدير بأغتيه الشهيرة " ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في الحسين وعلشان أنول كل الرضا يوماتي اروح له مرتين من السيدة لسيدنا الحسين" .

كان المحب ينتظر اطلالة محبوبته من شرفة منزلها  ، بينما يقف اسفل المنزل بدراجته متعللا للجيران بأي سبب لوقوفه اسفل منزل المحبوبة، كما كانت أسطح المنازل من اشهر أماكن لقاء الاحبة بعيدا عن اعين الأهل و المتلصصين ، وسط موجات حب كهربائية شديدة مغلفة بأشجان الحب العذري الطاهر بينما تسبح الرومانسية في بحار الاشواق ولهيبها بروحانيات شديدة التالق والوجد والنور.

ولقد وثقت السينما حال المحبين في ستينيات القرن الماضي قبيل التكنولوجيا فائقة السرعة التي نعيشها، كانوا عندما يلتقون يبدون وكأنهم قد خرجوا من جحيم الاشواق وسعار أنينه الى جنة فيها ماء السلسبيل الذي يروي عطشهم ويبرد نيران عواطفهم بمجرد الرؤية والكلام.

وفي الألفية الثالثة كانت المنتزهات والكافيهات والسينمات اماكن لقاء الاحبة دون حظر أو عوائق ، الى أن جاءت جائحة كورونا فوضعت الحواجز بين المحبين وعزلتهم عن بعضهم ، وانحسر التواصل ، وأصبح حصرا عبر وسائل التواصل الاجتماعي .

وكما يقال في الاثر الانجليزي" الحاجة هي أم الاختراع "، وكذلك القول في الاثر الشعبي العربي " الممنوع مرغوب "، فان جائحة كورونا قد غذت مشاعر البشر بمعاني الفقد من  الاحبة، وأشعرتهم بنعمة وأهمية انتماء الانسان لبني جنسه وانه لا يستطيع الحياة بدون من يكمل نقصه ويعوض فقره ويحقق به كمال وجوده على الارض ويشعره بنعمة الامان والسلام النفسي والطمأنينة التي لا تتحقق الا بلقاء الاحبة.

لذلك قاوم المحبون العزل الاجباري لكورونا وتحدوها بأساليب جميلة وشيقة، وهو تحدي صحي جدا من أجل البقاء والسعادة، مثلما وجدنا الشاب اللبناني محمد الصمد عبر اليوتيوب وهو يتسلق شرفة محبوبته ليقدم لها خاتم الزواج رافضا تأجيل الخطبة لحين انتهاء الجائحة، هو مقطع هاجمه الكثير واتهموه بأنه يقلد الغرب، وبرأيي ان هذا المقطع على اليوتيوب أكد على ان المشاعر الانسانية أقوى من اي اخطار للامرأض والأوبئة.

وظهرت العديد من قصص الحب والغرام التي قاومت كورونا وتحدتها في مختلف دول العالم، فقد ألقى كيبوبيد  بسهامه بين "أحمد" المرشد السياحي المصري و"تشو" الصينية  قبل عام  وتوجا حبهما باعلان الخطبة الرسمية في 22 يناير الماضي أثناء زيارته للصين، لتظهر بعدها أنباء عن فايروس كورونا ووسط مطالبة الاهل لابنهم بالعودة السريعة الى مصر واضطر للعودة لوطنه لكنه عاد ادراجه للصين ليداوي قلبه بدفء محبوبته.

الحب دائما هو مفتاح التحدي لأي ازمة حتى لوكانت وباءا، ولم يكن هناك وباءا لاخترعه الانسان لكي يمرر من خلاله مفتاح التحدي مثلما فعل الكاتب العالمي غابرييل غارسيا ماركيز في  روايته  "الحب في زمن الكوليرا" فالبطل المحبوب يطلق شائعة وباء الكوليرا على السفينة التي يركبها مع معشوقته  ليتخلص من المسافرين، ولتتاح له فرصة التعبير عن عشقه لها رغم ان عمرها سبعين عاما.

واخترع ماركيز وباء الكوليرا على لسان بطل روايته الشهيرة، انما أكد من خلاله حاجة الانسان للحب الحقيقي والصادق في كل مرحلة من مراحل عمره وحتى الشيخوخة، وربما يكون الله قد من علينا بجائحة كورونا لنتخلص من رتابة حياتنا المادية وهيكلتها الرأسمالية التي قتلت فينا اجمل المعاني، ولتحيي كورونا فينا زمن الرومانسية الجميل ونستعيد انساينتا بالحب الصادق.

ولفتني مؤخرا وأثناء الحظر تجلي معاني الحب في أبهى واجل صورها ، فهناك من المحبين من تحمل المشي لعدة كيلومترات في مناخ قاسي ليحظى برؤية حبيبه ، ومنهم من استقل دراجة هوائية لعدة كيلومترات في سبيل ان يكحل عينيه برؤية الحبيب ، في مشهد يعيد للأذهان ملاحم الحب الخالدة .