الأربعاء، 25 يوليو 2018

التفكك الأسري و المجتمع

الأنانية وغلبة مزاجية الطاووس على النفس البشرية تدمر أسمى ما في العلاقات الإنسانية من وشائج وميثاق غليظ خاصة في العلاقات الزوجية التي تنهار بفعل انانية أحد طرفي معادلتها وشراكتها وانتصارأ لهوى النفس ورغبتها في ان تكون لها الغلبة والسيطرة على حساب سلامة الأسرة وأمنها الاجتماعي والنفسي والنتيجة الحتمية هي التفكك الاسري.

ان زماننا المعاصر يشهد ارتفاعا غير مسبوق في نسب الطلاق - الغير مبرر- في الدول العربية وما يستتبعه من كوارث التفكك الاسري وتدمير الصغار او تشردهم. نسبة ٧٠٪؜ طلاق تستدعي التساؤل عن الأسباب هل اصبح ٧٠٪؜ من الناس سيئين و لا يُطاق العيش معهم ام اصبح ٧٠٪؜ من الناس قليلي الصبر و التحمل سريعي الانفعال و اتخاذ القرارات، ام ان طرق الزواج و اختيار الشريكين لبعضهم البعض اختلف عما قبل عندما كان الاختيار مبني على الود و الرحمه و التفاهم ، بينما حاليا يتم الاختيار وفقا لمصالح مشتركة و معايير مادية و احيانا تعصب و عنصرية تفرض الزواج من الاقارب او جنسية معينه حتى لو لم يتم التفاهم و التواد و التوافق بين الزوجين 

كل ما ذكرت من اسباب أدت للطلاق هي بالأساس باب من أبواب التفكك الاسري لدي قناعة بأنه ليس بالضرورة المسئولية تقع على الرجل -كما تدعي بعض النساء- فهناك ايضا سيدات صعبات المراس كئيبات المزاج ، غير لطيفات المعشر يعشقن النكد و التسلط و الشك و يمارسن هواياتهم بالقال و القيل و يظلمن الزوج و اهله فيصبح الطلاق هنا حل مشروع للفرار ، بعد محاولات إيجاد حلول و تواصل و تفاهم باءت بالفشل .

وأرى انه كما الطلاق سيء، فان الحياة مع هكذا نماذج اسوء ، لان الأضرار بالنفس و تعذيبها حرام و الحياة لا تقف عند غلطة يمكن تصحيحها ، فأنا ضد الطلاق لاسباب ليست جوهرية ، و ضد الاستمرار في الحياة الزوجية رغم عمق المشاكل ، فالزواج يجب ان يقوم على روابط قوية من ضمنها السعادة و العيش بكرامة .

ان المجتمعات العربية في الأزمنة السابقة ، تمسكت بالمؤسسة الزوجية حفاظا على سلامة الاسرة والمجتمع ككل من التشظي والانقسام، وان كانت هذه المحافظة تحققت على حساب حقوق المرأة وحريتها وكرامتها وعزتها، وعندما نالت المرأة في العصر الحديث حظا اكبر من التعلم واكتسبت المزيد من خبرات الحياة وفهم معطيات وتحديات حاضرها، فانها لم تعد قادرة على تحمل ما كانت تتحمله اسلافها في الماضي من صبر على انانية الزوج واهتمامه بنفسه على حساب مسئوليات أسرته.

كما ان بعض الرجال مازالوا عند محطات اسلافه القدامى لم يغادروها متصورين ان كل ما يفعله من باب ان الذكر يحق له كل شيء سيكون كما كان بالسابق مقبولا بالاكراه لدى بعض النساء اللواتي لم يحظين بفرص التعليم و الوظيفه والاعتماد على النفس او على الأقل الاعتماد على أسرة تحترم كرامة المراة و تستقبل بناتها عند اللزوم. 

والخلاصة انه في حالات عدم تفاهم الازواج و توافقهم فان طرفي المعادلة داخل المؤسسة الزوجية لا ينظر الا لهواه الشخصي وحقوقه ومكتسباته الشخصية بمعزل عن حقوق الطرف الاخر وايضاً الأبناء في حياة مستقرة آمنة تحت جناحي الأبوين او تفريق باحسان وبالتراضي بين الأطراف على طرق رعاية الصغار وتوفير رعاية كاملة لهم في بيت الام او بيت الجدات في بيئة حاضنة آمنة ومستقرة نسبيا تعوضهم فقدان مظلة الأبوين.

غير ان الأبناء ضحية انفصال الابوين في ألفيتنا الثالثة يعانون الأمرين لان مفهوم الجدة الحاضنة قد تقلص بشكل كبير، فقد تكون الجدة في محافظة بعيدة عن عمل الام او الاب، بينما الأم تتولى رعاية أبنائها في الوقت الذي هي فيه مشغولة بعملها في الخارج، او العكس عندما تؤول حضانة الصغار للأب فانه يكون مشغول بعمله كما لم يعتاد الرجل في مجتماعاتنا الاهتمام بالاطفال سواء عمدا او دون قصد ، فالأطفال الضحايا حيث يفتقدون لحقوقهم في الحاجة للاحتضان والرعاية النفسية الكافية لتنشئتهم اجتماعيا بشكل سوي.

وقد يتعرض هؤلاء الصغار لصنوف عديدة من العنف الابوي او المجتمعي فيتحولون مع الوقت الى قنابل اجتماعية موقوتة تنفجر في وجه المجتمع بأسره في شكل سلوك اجرامي عنيف كنتيجة حتمية لما لاقوه من قسوة وتصدع اسري، خاصة عندما يحاول الأب الانتقام من الأم او العكس او يسعى احدهم لحرمان الاطفال من الام او الاب فتتحول حياة الصغار الى جحيم.

عوامل أخرى للتفكك

غير ان التفكك الاسري في زماننا المعاصر قد ساهم في انتشاره وتوسعه عوامل عديدة ومنها هجرة الاب للعمل خارج وطنه فيفقد الأبناء الإحساس بالأمان والاستقرار، ومنها انتشار الحروب في منطقتنا العربية وفقدان الأب بالموت خلال هذه الحروب او اثناء التهجير، ومنها انشغال الابوين اما بالعمل او الاصدقاء والتحرر بعيدا عن مؤسسة الاسرة الحاكم بضوابطها الاجتماعية، ناهيك عن انتشار الازمات المالية التي تهدم الكثير من الاسر نتيجة عدم التوصل لحلول عملية لها في ظل اختناق المنطقة اقتصاديا بفعل الحروب وعدم الاستقرار الاقتصادي.
ويلعب صراع الأدوار بين الابوين ولمن تكن له السطوة على المؤسسة الاسرية دورا كبيرا في تفشي ظاهرة التفكك الاسري، حيث يتنافس كلا الابوين على قيادة السفينه وما يولده ذلك من مشكلات تولد غضبا جما وعصبية وتوتر تؤثر سلبا على الأبناء، وهذا ما يدخل في نطاق التفكك الأسري المعنوي، حيث ينطبق على الأسر التي تعيش تحت سقف واحد، لكن أفرادها يعانون من غياب جسور التواصل فيما بينهم .

ولاشك أيضا ان ثورة تكنولوجيا الاتصال والعالم الافتراضي الذي صنعه لنا الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي قد جعلت الافراد داخل المؤسسة الاسرية بعيدون عن بعضهم نفسيا وروحيا في ظل انشغالهم لساعات طويلة ينسى كل واحد فيهم مسؤولياته وواجباته تجاه الاسرة.

آثار وخيمة
لاشك ان الجو العائلي المشحون بالتفكك الأسري سواء بالطلاق او التقصير او الهجرة او الخلافات الاسرية وغيرها تسبب في آثار اجتماعية ونفسية وخيمة على فلذات الاكباد الصغار الذين يتقلص شعورهم بالأمان والاستقرار داخل الأسرة والمجتمع معا، وقد يؤدي ذلك أيضا الى تراجع منظومة القيم الأخلاقية لديهم ليصبح أي سلوك اجرامي أمرا مشروعا من وجهة نظرهم.
كما يؤدي انعدام شعور هؤلاء الأطفال بالأمان الى اصابتهم باضطراب وقلق دائمين ونزوعهم للعنف والعدوان نتيجة غياب احد الأبوين، او المشاكل المتكرره بين الأبوين وقد يتحولون بسهولة الى أطفال شوارع، وهو ما أكدته الدراسات العلمية المتخصصة في هذا الشأن، حيث أثبتت هذه الدراسات وجود علاقة وثيقة بين تشرد الأطفال والتفكك الأسري، وأوضحت أن أغلب الأطفال الذين كان مصيرهم الشارع، كانوا في الأساس يعانون من التفكك الأُسري.
فالتفكك الأسري يصيب افرادها بالإحباط واليأس، مما يخلق لديهم شعور بالنقمة على المجتمع ويطلق مدافع انتقاده وسهام اللوم الجارح بحق المجتمع، بل ان الازمة تتطور لديهم بالتمرد على كل القيم الاجتماعية من حب ومودة واحترام وتعاون ومساعدة للآخرين .

الوعي والانقاذ
ان التفكك الاسري بمثابة خنجرا مسموما في قلب المجتمعات فهو سلاح فتاك لتدمير المجتمع التي تشكل الأسرة احدى نواتها الأساسية، ولذلك فان المجتمع لابد وان يعي خطورة هذا الخنجر المسموم ويسعى لاستخراجه وبحث سبل العلاج من امراضه.

وفي تصوري ان الوعي الثقافي والمجتمعي يشكل ركيزة أساسية لتجنب وقوع هذه الظاهرة المؤسفة، وهذا الوعي لابد وان يتشكل لدى الابوين قبل إتمام زفافهما وتكوينهما لعش الزوجية، فكلاهما لابد وان يتسلح بثقافة الاسرة المستقرة ومقومات نجاحها وبقائها وهذا في تقديري أيضا مرهون بتخلي اطراف المؤسسة الزوجية عن العناد والانانية والتشبه بإبليس في غواية النفس والانتصار لرغبتها الجامحة في السيطرة والقهر، وعليهم بالتخلي عن الانانية والتمسك بقيم الصبر واعلاء شأن الحوار والتفاهم من اجل الحفاظ على المؤسسة الأسرية.
واتصور اننا بحاجة لاعلاء قيمنا الروحية والدينية التي تنتصر لمؤسسة الاسرة وضرورة الحفاظ عليها من الانهيار من خلال تعلم فنون التعامل بالحسنى، والتغاضي عن عيوب الاخر وسعي الابوين بإخلاص لتقوية العلاقة بينهما بعيدا عن العنف، والتواصل مع الأبناء والحوار معهم واسباغ الحنان عليهم وحل مشاكلهم.
وتقع على المجتمع بمؤسساته التثقيفية والتعليمية والتربوية والإعلامية والدينية مسئوليات كبيرة في التوعية بأهمية الاسرة في حياتنا والحفاظ عليها حفاظا على العقد الاجتماعي الثمين حتي لا تنفرط حبات لآئلئه الثمينة هباء في الأرض.
وانني أدعو الاعلام بكل وسائطه ان يقوم بالدور الأكبر في مهمة تثقيف الأسرة والمجتمع عبر البرامج التربوية والاجتماعية والدينية، كما ان الاعلام مطالب بالقيام بدور فاعل لنشر الوعي بضرورة الترابط الأسري والتربية الصحيحة من خلال الدورات المجانية والبرامج التلفزيونية.

الجمعة، 13 يوليو 2018

الحروب و النزاعات و نقص الغذاء و المجاعات

تواجه شعوب العالم تزايد مطرد في تعداد السكان يقابله نقصًا في الموارد الغذائية ما أدى لارتفاع أسعارها بينما تزيد الصراعات والحروب خاصة في منطقة الشرق الأوسط من أزمة الغذاء بل و حدوث مجاعات مفزعة قد تفضي الى الموت.

قد تزايدت مخاطر المجاعة في السنوات الأخيرة حيث تجاوز عدد ضحايا الجوع كل عام ضحايا أمراض الإيدز والملاريا والسل مجتمعه، ناهيك عما يخلفه من أمراض وعرقلة النمو المعرفي ويعوق التقدم الحضاري، كما أنه قد يؤدي حدوث خلل في التوازن الاجتماعي عبر اللجوء الى الهجرة.

ولم تعد ندرة المياه وأزمة التصحر في مناطق مختلفة من العالم هي المسببات الرئيسية لانتشار الفاقة والمجاعات، بل ان الحروب الطاحنة التي تمر بها دول الشرق الأوسط وفي القلب منها منطقتنا العربية من أكثر مناطق العالم تعرضا لمشكلات نقص الغذاء والمجاعة رغم ان كثيرا من الدول العربية تهدر الكثير من الطعام في المناسبات الاجتماعية المختلفة، وبعضها يهدره نتيجة سوء نقل وتخزين والمحاصيل الزراعية.

وان كانت هناك العديد من العوامل الأخرى التي تدخل في ازمة نقص الغذاء وحدوث المجاعات ومنها الجفاف والفيضانات والسيول وانتشار الأوبئة في المحاصيل الزراعية، وسوء إدارة وتنظيم الموارد البشرية.

الأزمة كما رصدها الخبراء تكمن في المعاناة المتوقع ان تعيشها شعوب العالم بسبب ندرة الغذاء خلال السنوات المقبلة نتيجة زيادة عدد السكان البالغ 7.4 بليون نسمة ومن المتوقع أن يصل إلى 9 بلايين نسمة في العام 2050 وفي نهاية المطاف إلى 11 بليون نسمة في العام 2100.

كما تشير الإحصائيات أن فردًا من كل تسعة أفراد في الوقت الحالي لا يحصل على الغذاء الكافي للعيش بطريقة صحية ونشطة، وتشير أيضًا أن سوء التغذية يتسبب في وفاة أكثر من ثلاثة ملايين طفل كل عام ويعيق نمو طفل واحد من كل أربعة أطفال.

ومع استمرار الازمة الاقتصادية العالمية الراهنة والتي بدأت منذ عام 2008، فان أسعار الغذاء أخذة في الزيادة التي لا تقدر عليها الكثير من البلدان العربية التي عانت ولا تزال من الحروب والصراعات كاليمن وسوريا والعراق، إلى جانب دول عربية اخري تعتمد في توفير امدادها من الغذاء على الاستيراد .

بينما تقع دول الخليج في بيئة صحرواية وتعتمد في غذائها على الاستيراد من الخارج، ولكن في حالة نشوب أي صراع أو حرب عالمية، فلا أحد يستطيع التكهن بالكوارث الناتجة عن امدادات الغذاء لشعوب الخليج ورغم توافر السيولة المالية لديها فقد لا تستطيع توفير الامن الغذائي لسكانها

نتائج خطيرة
رصدت التقارير الدولية حقيقة ان سوء التغذية مسئول عن ما يقرب من 45% من حالات الوفيات للأطفال دون سن الخامسة أي حوالي 3.2 مليون حالة وفاة سنوياً، وهناك حوالي 795 مليون شخص حول العالم يعانون من سوء التغذية أي واحد من كل تسعة أشخاص في العالم ويعد النسبة الأكبر منهم من سكان الدول النامية.

ان الدراسات والبرامج الإنمائية التابعه للمنظمات الدولية المختلفة والتي تتناول قضايا المجاعات كانت تركز على دول ربما إعتدنا على إنتشار المجاعات بها، لا سيما أنها تفتقر للموارد الإقتصادية وتعرضها للأخطار الناتجة عن التغيرات المناخية مثل أثيوبيا وكينيا والصومال حيث أن هناك حوالي 12 مليون شخص يعانون من خطر المجاعات في تلك الدول، ولكن في الوقت الراهن تعاني عدد من دول المنطقة العربية من انتشار الأزمات الإنسانية على نطاق واسع في مقدمتهم الدول التي مرت بأحداث ما يسمى الربيع العربي.

النزاعات ونقص التغذية
طبقا لتقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) الصادر العام الجاري 2018 ، فإن النزاعات تسببت في زيادة معدلات انعدام الأمن الغذائي في منطقة الشرق الأدنى.
التقرير نفسه كشف عن 28% من سكان البلدان التي تشهد نزاعات في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا يعانون من نقص التغذية، وهي نسبة تزيد ست مرات عن النسبة في البلدان التي لا تشهد نزاعات في المنطقة.
وبينما لفت المدير العام للفاو، الى أنه في عام 2016، كان هناك حوالي 66 مليون شخص مشرد قسرياً في العالم، ينحدر حوالي 25 مليون منهم من خمس دول فقط تشهد نزاعات في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا.
والطامة الكبرى انه بدلا من ان تتجه الحكومات لعلاج ازمة نقص الغذاء بتطوير أنظمة الري التي تعتمد على موارد مالية أقل او احدث أنظمة المتطورة في الزراعة التي من شانها زيادة إنتاجية المحصول ، فإنها تتسارع في زيادة الانفاق علي التسليح لمواجهة ما تشهده من نزاعات داخلية وحروب مما يزيد من معاناة الجوعى .

وتشتد معاناة الجوعي من اثر الحروب في اليمن خلال السنوات الأربع الماضية ، وبحسب تقديرات هيئة الأمم المتحده فان عدد سكان اليمن يبلغ حوالي 26 مليون نسمة منهم 19 مليون غير قادرين علي إطعام أنفسهم وتفاقمت حالات الوفاة للإطفال نتيجة سوء التغذية بمعدل طفل واحد كل عشر دقائق وهو أمر مفزع، ووفقاً لتقديرات الهيئة فإن حجم الموارد المالية اللازمة للتصدي لمشكلة المجاعة في اليمن تقدر بــ 2.1 مليار دولار، وبذلك أظهر تقييم الأمم المتحدة وعدة منظمات إنسانية حقوقية أن الوضع في المناطق المتضررة سيزداد سوءً مع مرور الوقت خاصة وأن هناك حوالي 19 محافظة يمنية من بين محافظاتها الـ22، تواجه انعداما حادا في الأمن الغذائي وبالتالي يمكن إعتبار اليمن دولة مجاعات بشكل رسمي.

وتمتد مأساة نقص الغذاء والجوع للوطن السوري ، ، حيث تشير تقديرات منظمة (الفاو) فهناك حوالي 13.5مليون شخص في سوريا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية ويصل عدد الأشخاص الذين لا يستطيعون توفير احتياجاتهم الأساسية من الغذاء إلى نحو 8.7 مليون شخص أي حوالي نصف عدد السكان الذين لم يغادروا سوريا والأعداد في إزدياد.

ولا تختلف أوضاع هذه البلاد عن الوطن العراقي الذي يعيش أجواء من شأنها ان تخلق المجاعة ، وهو ما أكده برنامج الغذاء العالمي فى تقريره مع الحكومة العراقية الذى صدر فى 10 ابريل 2017 أن أكثر من نصف الأسر العراقية معرضة للجوع نتيجة للصدمات التى تعرضت لها وعلى رأسها زيادة أسعار المواد الغذائية الأساسية؛ حيث أن نسبة العراقيين الذين يعانون بالفعل من انعدام الأمن الغذائي

حوالى 2.5 %, ونحو 53 % من السكان و66 % من المشردين داخلياً هم عرضة للمجاعات. وتتركز مناطق انعدام الأمن الغذائي في الجزء الجنوبي من البلاد.
ناهيك عن ازمة المجاعة لمتفاقمة منذ سنوات في الصومال ، حيث يعاني نحو 40% من سكانها يعانون من خطر المجاعات بسبب الجفاف الناتج عن ندرة الأمطار، مما أدي وفاة 260 ألف شخص وفي إبريل 2012 في عام 2011 في وصل عدد من يعانون من سوء التغذية إلي 258 ألف شخص وإزدادت الأزمة في جنوب الصومال بسبب منع دخول المساعدات الإنسانية لديها من قبل حركة الشباب المتطرفة.

ولاشك ان ازمة نقص الغذاء والمجاعات بجانب استمرار هدر الطعام في العالم وخاصة دول منطقة الشرق الأوسط يتطلب تكاتف وتعاون حكوماتها في وضع خطط استراتيجية لتوفير
الغذاء لشعوب المنطقة عبر تطوير الأبحاث والدرسات الزراعية لزيادة الإنتاج وفق موارد أقل ، والعاون أيضا فيما بينها في تحقيق التكامل الغذائي ، مع ضرورة العمل بكل السبل النزاعات والحروب الداخلية التي أتت علي الأخضر واليابس واحدثت المجاعة .

الأربعاء، 4 يوليو 2018

ثقافة الاستهلاك و ازماتنا الاقتصادية

يعيش العالم العربي أزمات اقتصادية خانقة بفعل تأثيرات ما شهدته السنوات الماضية من أتون حروب وصراعات سياسية وعسكرية لا يزال بعضها مستمرا في اليمن وليبيا وسوريا.
استمرار هذه الحروب والصراعات قد يرتبط بمخططات خارجية لتفتيت هذه الدول محل النزاع والاستفادة مما تبقي من ثرواتها الطبيعية، لكنه في المقابل أدى إلى خنق الاقتصاديات في باقي الدول العربية شبه المستقرة سياسيا.

غير ان الدول العربية وشعوبها لم تنتبه الي تأثير هذه النزاعات والحروب علي اقتصاداتها، ولم تقم بأية محاولات للحفاظ على مقوماتها الاقتصادية خلال السنوات القليلة الماضية حتي وجدت نفسها في مأزق اضطرت فيه إلى الغاء الدعم واللجوء لفرض الضرائب والرسوم لجلب الايرادات اللازمة للانفاق الحكومي على البنيات الأساسية للدولة من تعليم وصحة وأمن وغيرها.
فجأة شعر المواطن العربي بان الحكومات العربية تخنقه وتحاصره بالضرائب ورفع أسعار المحروقات والغلاء الفاحش، دون ان تنتبه هذه الشعوب وحكوماتها إلى الخطر الأكبر والمستفحل في المجتمعات العربية والعالمية ممثلة في سعار ثقافة الاستهلاك التي غرس بذور فتنتها الرأسمالية العالمية والعولمة الامريكية.

فهذه الرأسمالية قد غذت النزعة الاستهلاكية لدى شعوب العالم وبثت فيها غرائز الترفيه بكل وسيلة مستخدمة في ذلك حاجة الناس إلى التواصل الاجتماعي والانفتاح على الاخر ومحاكاة تجارب الشعوب والتلذذ بكل ما هو جديد، فتحول انسان هذا العصر منذ تسعينيات القرن الماضي إلى كائن مستهلك لكل شيء في الأرض والفضاء ، مستهلك للزراعة والصناعة والاعلام والفنون وغيرها.
اتجه انسان العصر بفعل الرأسمالية المتوحشة إلى التملك واستخدام اكبر عدد من السلع والخدمات بعد ان غرست فيه قيم مادية جعلته يربط سعادته ونجاحه بهذا الامتلاك والافراط في استخدام السلع والخدمات، وصار كثرة امتلاك السيارات الفارهة وتجديد موديلاتها وتجديد الأجهزة الكهربائية والتكنولوجية مظهرا للعصرية والتقدم ومظهرا للتفاخر الاجتماعي وبرهانا على النجاح والمكانة الاجتماعية بين الاقران في المجتمع.

وهكذا انحصرت السعادة في الماديات الترفية والقيم الاستهلاكية بينما اشتكت الطبيعة من الضغط البشري علي هوائها وسمائها وارضها، وصرخت من استنزاف ثرواتها فعبرت عن ذلك بثقب الأوزون بالعواصف والزلازل والباركين وارتفاع درجة حرارتها نتيجة تلوثها وتغير المناخ المنذر بالمزيد من الكوارث.
هذه الكوارث حذر منه تقرير حالة الأرض 2010 State of the World الصادر عن مؤسسة مرصد الأرض World Watch Institute بواشنطن، والذي أعده أكثر من ستين عالماً ومفكراً، يبين بالأدلة العلمية أن النظام العالمي الحالي القائم على الاستهلاك المفرط للموارد الطبيعية غير قابل للاستمرار وأنه سيؤدي إلى كوارث مدمرة، داعيا لضرورة التحول من ثقافة الاستهلاك الي ثقافة الاستدامة.

ثقافة الاستهلاك
وقد تفاعل المفهوم الاستهلاكي المفرط مع عاداتنا وتقاليدنا الاجتماعية حتى صار ثقافة يومية معاشة نمارسها كشيء طبيعي كما نشرب الماء ونتنفس الهواء، كما صار جزءا رئيسيا من اقتصاديات الدول وركائزها السياسية معتمدا في ذلك على دور الاعلام في بث ثقافة الاستهلاك عبر إعادة تشكيل وعي جماهيره العريضة شرقا وغربا بحاجاته المتجددة للتغيير والتحديث.
فقد غذت الرأسمالية مفهوم الحاجة المستمرة لانسان العصر، والنزوع المتجدد للاستهلاك وخلقت بداخله الدوافع لاشباع الاحتياجات الكثيرة التي لا تنتهي حتى بات الاستهلاك عنصرا رئيسيا في منظومة حياتنا اليومية.
فلا غرابة امام عبقرية الرأسمالية المتوحشة ان تستثمر كل مناسبة في حياة الانسان لتحولها الي سلعة وتجارة موظفة قدراتها علي الضغط بالميديا والاعلان الجذاب، مثل الأعياد الدينية وأعياد الميلاد وطقوس الزواج والانجاب ومواسم الربيع، واستحدثت المهرجانات للاحتفال بالطبيعية واستحدثت كوسام دخول المدراس والاجازات الصيفية وغيرها لشراء المزيد من السلع والحصول علي كل خدمات الترفيه والتسلية.
وللأسف فان العولمة الاقتصادية، قد حولت كل الكماليات في حياتنا الي ضروريات ولكي يحظى الانسان بالمزيد من المال لإشباع هذه الكماليات فقد اضطر للعمل ساعات اكبر وجهد مضاعف علي حساب صحته وراحته النفسية والعصبية لتوفير نفقات هذه الكماليات وتغطية نفقات هذه الثقافة الاستهلاكية.

تطوير واستنزاف
لا يكف المنتجون والمصنعون عن تطوير منتجاتهم بإضافة بعض التعديلات عليها، وتدور حلقة جديدة من ماكينات الداعية للمنتج المطور والجديد، ولا تكف أيضا المجتمعات الاستهلاكية عن مواكبة التحديث وشراء السلع المطورة علما بأن المنتج نفسه في صورته القديمة لا يزال يعمل بكفاءة عالية.
فما ان يظهر موديل لأحد ماركات السيارات حتي يسارع البعض بشرائه رغم انه يركب سيارة موديل العام الفائت، وما ان نشتري هاتف خلوي من احدث الموديلات حتي يظهر تحديث له في موديل جديد حتي نسارع أيضا بشرائه بفعل تفنن أساليب الدعاية بمميزاته وخصائصه، وهوما يسري كافة السلع والخدمات التي لا نكف عن شرائها ربما في أكثر الأوقات لا نحتاج اليها فعليا سوي للهاث وراء كل جديد والتباهي في المجتمع بين الاقران.

تأصيل النزعة
أرجع الباحثون في علوم الاجتماع والاقتصاد جذور الثقافة الاستهلاكية إلى أوربا في القرن السابع عشر حين توسع إنتاج السلع نوعاً وكماً، وبدأ البحث عن أسواق جديدة لفوائض الإنتاج، ومع بداية القرن العشرين صار الاستهلاك جزءاً مهما في تحقيق المكاسب والثروات للشركات والحكومات، وساهمت المخترعات الجديدة في مجال التكنولوجيا والاتصالات كالتلفزيون والإنترنت في النصف الثاني من القرن على نشر هذه الثقافة في جميع أنحاء الكوكب الأرضي.

ونظرت الحكومات الاوربية في أربعينيات القرن الماضي الي الاستهلاك بوصفه محرك رئيسي في تحقيق النمو الاقتصادي، فاتجهت الولايات المتحدة الأمريكية عقب خروجها من الحرب العالمية وكسادها التجاري والاقتصادي الي رفع سقف الإنتاج لتعويض الخسائر وتعظيم الاستهلاك فحولت عملية بيع وشراء المنتجات إلى طقس مقدس، ونشرت قيم الثقافة الاستهلاك وغزت بها العالم.
ففن الدعاية الأمريكية نجح في اختراق عقوق ووجدان البشر وسيطرت به علي حركة التجارة العالمية ونشأت التجارة عابرة القارات عبر عولمة زادت فيها الدول الكبرى ثراءا ونفوذا سياسيا واقتصاديا بفعل كثرة انتاجها بينما تحول باقي سكان العالم الي مجرد مستهلك لما تنتجه الدول الكبرى، وخرجت شعوبها من دائرة الإنتاج الي دائرة التلقي والاستيراد والاستهلاك.

وصار انسان هذا العصر أمام وحش الدعاية في هذه القرية الكونية ضحية الاغواء بالسلع وفق نظرية الالحاح حتي يخضع الزبون لتأثيرات المنتج عاطفيا وسلوكيا، وصدق الأثر الشعبي القائل ' الزن علي الودان أمر من السحر ' هكاذ يفعل أساطين الدعاية في ممارسة التأثير بالإغواء علي الجماهير حتي يقبلوا علي شراء سلعهم التي لا تنتهي بخلق حالة من الشغف بالسلع وإقامة مهرجانات للتسوق شهيرة في العالم ليصبح التسوق وفنونه رمزا من رموز العصر لا يمكن تجاهله، لكنه في النهاية يخلق مزيد من النزعة الاستهلاكية بعد اشعار الانسان بجوعه وحاجته الضرورية لاشباع هذه الجوع بتملك السلعة ليحقق من وراء ذلك أيضا اشباعا موازيا لحاجة الفرد الي تعزيز مكانته الاجتماعية التي يصنعها لنفسه بهذا التملك ونظرة المجتمع اليه بقدرته علي منافسة الاخرين في اقتنائها حتي ولو اقترض من البنوك لتحقيق هذا الهدف الاستهلاكي الاجتماعي.

أزمة التلقي
لاشك ان مفهوم السوق الحر الذي اعتمدته العولمة الاقتصادية حققت ثروات هائلة للدول الكبرى والشركات متعدية الجنسيات التي سيطرت بسلعها ومنتوجاتها علي السوق العالمي بينما أثرت سلبا علي الدول التي تعتمد علي الاستيراد، وهذا يعني ان هذه الدول ومنها عالمنا العربي قد توقفت فيها حركة التطور الصناعي والتجاري ولم تستطع مجاراة العصر في تحدياته التكنولوجية ومنجزاته العلمية والاقتصادية، ناهيك عن تأثير ذلك علي معدلات النمو الاقتصادي ببلدان العالم النامي ومنه منطقتنا العربية التي تقلص انتاجها وأصابته نيران البطالة في صفوف شبابها فتهاوت ميزانياتها واحتاجات للقروض الخارجية لتمول النقص في عجز ميزانياتها.

التأثير الاجتماعي
للأسف الشديد فان ثقافة الاستهلاك اثرت تأثيرات سلبية خطيرة علي المجتمعات خاصة مجتمعاتنا العربية سواء علي الاقتصادي او الاجتماعي معا، حيث تسببت ثقافة الاستهلاك الي خفض معدلات الادخار ومن ثم تقليص مساهمات افراد المجتمع في تحقيق المشروعات التنموية مع حكوماتها، كما أدي ذلك الي تقلص حركة التجارة الداخلية نتيجة نقص السيولة النقدية بين افراد المجتمع.
ونجم عن انخفاض الدخل المادي عجز الكثير من الاسر عن الوفاء بالتزاماتها المعيشية واعبائها اليومية مما أدي تباعا الي تعميق الخلافات الاسرية وتعرض رب الاسرة الي الملاحقات الأمنية لعدم قدرته علي سداد مديوناته مما يؤدي لتشتت أفراد أسرته.
بل ان بعض الإباء قد هربوا من زوجاتهم وابنائهم لفشلهم في تغطية نفقات المعيشة، وانتشرت حالات الطلاق الناتجة عن هذه الازمات المالية في الكثير من البلدان العربية.
وخرجت العديد من الدراسات التي بحثت تأثيرات الافراط في الانفاق وانتشار ثقافة الاستهلاك وخلصن في مجملها الي ان ثقافة الاستهلاك قد أدت الي انتشار الجرائم سواء بين الطبقات الغنية او الفقيرة، في مصر تسببت ثقافة الاستهلاك وشراء الام للعديد من الأجهزة الغير ضرورية لتزويج ابنتها في دخول الالاف منهم أروقة السجون بتهمة عدم قدراتهن علي دفع المستحقات من الشيكات التي وقعن عليها وهو يطلق علهين باسم ' الغارمات ' وهو ما حدا بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الي التكفل بسداد هذه المستحقات من صندوق تحيا مصر وإخراج هذه الأمهات الغارمات من السجون.
وحتي في البلدان العربية التي تمثل دخول الافراد فيها أعلي النسب عالميا مثل الامارات والسعودية وغيرهما، فان الكثير سكانها يعانون من الشراهة في الاستهلاك هو مرض العصر، ولم تفلح ارتفاع متوسطات رواتبهم في سد تنامي إشباع احتياجاتهم فلجأوا الي الشيكات البنكية لاستكمال دفع نفقات هذه الاحتياجات وعجز الكثيرون عن الوفاء بسداد هذه الشيكات فبرزت ظاهرة الشيكات المرتجعة في الخليج.

عجز الكوكب
كشفت الدراسات العلمية عن حقيقة ان الأغنياء مسؤولون عن جزء كبير من الاستهلاك وومن ثم فإن ضررهم البيئي أكبر بكثير. تذكر الدراسة أن 500 مليون شخص غني (أي 7% من سكان الأرض) مسؤولون عن إنتاج 50% من غازات ثاني أكسيد الكربون في العالم، في حين أن 3 بليون الأفقر ينتجون فقط 6%. وذلك بسبب استهلاك الأغنياء ي كميات أكبر من الكهرباء والطعام ويشترون المزيد من السلع الخدمات.
في الدول الغنية حيث الاستهلاك هو نمط الحياة السائد يعيش فقط 16% من سكان الأرض، فنسبة الأغنياء في العالم 16% من سكان الأرض واستهلاكهم يصل إلى 78%! من الاستهلاك العالمي، وتتصدرهم الولايات المتحدة بنسبة 32% من الاستهلاك العالمي رغم ان تعدادهم لا يتجاوز 5% من سكان الأرض.
اما الدول النامية تنظر إلى الدول المتقدمة على أنها مثال وقدوة وتحاول أن تحذو حذوها وتتبنى نمط معيشتها، وهنا فان الدراسة تحذر من انه لو أتيح لجميع سكان الأرض العيش بنفس نمط الحياة الأمريكي، فسنكون وقتها بحاجة إلى خمسة أو ستة من كواكب الأرض لكي نلبي احتياجاتهم، وذلك لأن كوكبنا سيكون عاجزاً عن تأمين الموارد الكافية لجميع سكانه.

تضامن انساني
في تصوري ان سكان الكرة الأرضية خاصة عالمنا العربي في ما يعيشه من حروب وازمات اقتصادية خانقة مطالبون الإسراع لإنقاذ كوكبنا من الإفلاس ومن تقلص ثرواته وخيراته عبر الترشيد في استخدام هذه الثروات.
وأن الحاجة هي أم الاختراع كما يقال في الأثر الإنجليزي، فاننا بحاجة التي تبني منهج علمي وعملي عالمي لنشر ثقافة الترشيد والاعتدال في كل شيء من مأكل وملبس وسلع وخدمات.
وانني لأدعو كبار مفكرينا ومثقفينا لوضع برامج لتكثيف الوعي بأهمية ضبط إيقاع الاستهلاك والتحذير من عواقبه السياسية والأمنية والاقتصادية، وان تتكاتف كل المؤسسات العربية ومنظماتها بجانب مؤسسات المجتمع المدني في عالمنا العربي وكذلك وسائط الاعلام بكل ادواتها المقروءة والمسموعة والمرئية في نشر الوعي بترشيد الاستهلاك وضغط النفقات وإبراز الازمات الاقتصادية التي تواجه مجتمعاتنا.

وأظن انه بإمكان الدول العربية ان تضع قوانين تضبط أساليب الدعاية والتي تكرس للاستهلاك، كما يمكن للدول العربية ان تضع ضوابط قانونية للبنوك حتي تقلص من القروض التي توفرها للمواطنين لشراء الكماليات غير الضرورية.

ولاشك اننا في أشد الحاجة الي إعادة الاعتماد علي انفسنا في انتاج محاصيلنا الزراعية والحيوانية، وإنتاج احتياجاتنا من السلع الضرورية دون التسرع باستيرادها من الخارج مهما كانت المغريات بانخفاض أسعارها عالميا قياسا علي الأسعار المحلية.

فلنرفع جميعا شعار الصناعة والإنتاج الوطني كرفعنا لعلم بلادنا شرفنا وعزنا وهنا سيجد شبابنا الاف الفرص من العمل ونقضي علي البطالة ونستعيد قوتنا وعافيتنا الاقتصادية والأمنية لان من لا يملك قوته لا يملك قراره ولا قوته.

الثلاثاء، 26 يونيو 2018

بن سلمان ينتصر لحقوق المرأة

الجرأة واقتحام مناطق الألغام الاجتماعية وتحطيم اسلاكها الشائكة والايمان بدور الشباب نساءا ورجالا في صنع مستقبل جديد يواكب العصر ويوائم تحدياته، تمثل في مجملها قدرات لا تتوافر الا في شباب يملكون من القوة النفسية والعلمية والسياسية والقدرة الفاعلة علي التغيير.
وقد تجلت هذه القدرات في سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يقود المملكة العربية السعودية لثورة اجتماعية واقتصادية وثقافية تنقل المملكة لعهد ملكي قادر  يواجه بقوة تحديات العصر وتحديات المنطقة العربية من عنف وإرهاب وتطرف وازمات اقتصادية خانقة تمر بها معظم دول المنطقة.
فقد لفت الأمير محمد بن سلمان نظر العالم كله اليه عندما تبني قضايا حقوق المرأة السعودية بعد سنوات عجاف عاشتها في ظل حرية منقوصة وحقوق مهدرة بفعل تأثير الكثير من العادات والتقاليد التي جعلت المرأة السعودية تحت وصاية أبوية ذكورية قاسية، رغم ما تتمتع به من علم وذكاء وقدرة علي اعتلاء أعلي المناصب.
فقد أثبتت المرأة السعودية نبوغا علميا وثقافيا وابداعيا في شتي ميادين الفكر والعمل، لكنها نادرا ما نالت ما تستحقه من تقدير مجتمعي، بل وحرمت لسنوات طويلة من حقها في قيادة السيارة، ومن حقها في الترقي ومنافسة الرجال في العمل والمساواة في الرواتب وغيرها من الحقوق.
وكان ولي العهد محمد بن سلمان من أكثر القادة السعوديين استشعارا بالظلم البين المجحف بحقوق المرأة ولذلك سارع بإعلان موقفه المشرف من تأييد قيادتها  للسيارة ورفضه تقييدها بزي محدد كالعباءة معتبرا ان المرأة السعودية قد سلبت حريتها ظلما وعدوانا لعقود طويلة نتيجة سطوة العادات والتقاليد التي تتعارض مع روح ديننا الإسلامي الحنيف والوسطي.
هذه الجرأة في مواقف ولي العهد محمد بن سلمان فتحت أبواب الأمل مجددا أمام  المرأة السعودية لتحقيق احلامها في الحرية والاستقلال والمساواة الاجتماعية وفقا لقيم واخلاق المجتمع العربي المسلم الأصيل المناهض لكل أشكال التعصب والتمييز ضد المرأة.
ولذلك فان المرأة والشباب السعودي بصفة عامة ينظرون للمستقبل نظرة اكثر تفاؤلا  وفق رؤية ولي العهد ' 2030 ' باعتبارها رؤية شاملة  تضع الشباب في مقدمة الصورة من حيث توفير فرص العمل المتساوية للمرأة والرجل معا وتوفير حياة كريمة لهما باعتبارها جناحي الوطن.
وقد شاركت المرأة السعودية فرحتها الغامرة وهي تشهد افتتاح أول معرض سيارات نسائي في المملكة بجدة، بعد السماح لها بالقيادة، فهي لحظة تحرر وحرية طالما انتظرتها المرأة في المملكة بفارغ الصبر وكخطوة عملية في سبيل تمكينها اقتصاديا واجتماعيا.
وهو ما يؤكده  تقرير أكسفورد جروب من ان تسهم قيادة المرأة سوق العمل من %17 إلى %40، وهو ما سيضيف 64 مليار ريال سنوياً إلى الناتج المحلي الإجمالي للمملكة.
والان وبعد ان اثبت خطأ الفتاوى الدينية التي منعت المرأة من القيادة، فان هذه الفتوي بقدر ما أضرت المرأة والمجتمع اجتماعيا وحضاريا، فانها اهدرت ملايين الريالات كانت تذهب للعمالة الوافدة التي تعمل في وظائف السائق.
وبعد تمتع المرأة بحقها في القيادة فان هذه الملايين من الريالات تستفيد منها الأسرة السعودية نفسها مما يحسن الدخل الاقتصادي للأسرة.
فتبني الأمير محمد بن سلمان  الدفاع عن حقوق المرأة، انما يعكس ايمانه بأهمية تحديث المجتمع وتطويره وتطوير المجتمع المدني السعودي بوتيرة متسارعة  وهو لن يتحقق بمعزل عن تحقيق المساواة بين الجنسين، وهو ما أظن ان ولي العهد يركز علي تحقيقه علي ارض الواقع.
وفي اعتقادي ان ولي العهد محمد بن سلمان يضع نصب عينه خطوات عملية لتمكين المرأة، ربما تكون قد تجلت في بعض المظاهر الاجتماعية والترفيهية التي كانت محرومة منها كقيادة السيارة ومعارض السيارات ودخول ملاعب كرة القدم، غير ان هذه الحقوق الترفيهة، لكن الأهم عمليا فان المرأة السعودية حققت مكتسبات اجتماعية اخري شديدة الأهمية مثل الحق في حضانة الصغار وصندوق النفقة، وتقديم الخدمات لها دون موافقة ولي الأمر، وتطبيق الرياضة النسائية بمدارس البنات.
وما تحقق في ممارسة العمل السياسي في تقديري من اهم المنجزات التي تحققت للمرأة السعودية وهو ما تجلي في تعيين  فاطمة باعشن  متحدث باسم سفارة المملكة بواشطن، وهي سابقة  لم  تحدث من قبل ان تتولي سيدة  سعودية مثل هذا المنصب السياسي.
وفي تقديري ان هذا المنصب للسيدة فاطمة باعشن سيكون نواة لمزيد من المناصب الرفيعة التي ستتولاها المرأة السعودية في العديد من المجالات عما قريب، خاصة في ضوء خطة سمو ولي العهد محمد سلمان التي تركز علي الاستفادة من دور المرأة وقدرتها في تحقيق التنمية الاقتصادية للبلاد.
ولعل القدرة علي الاداء المالي والاقتصادي الناجح  للمرأة السعودية قد عكسته  سارة السحيمي  بعد تعيينها على رأس مجلس إدارة السوق المالية السعودية 'تداول' وهو ما يعني القدرة الفائقة للنساء علي إدارة الاعمال والأموال.
ولعل نجاح هذه التجارب المالية  للمرأة السعودية ستبرهن بها المرأة قدرتها خوض غمار التحدي واثبات تفوقها و نجاحها في النهوض بوطنها اسوة بالرجل.
فهنيئا للمرأة السعودية بتحقيق احلامها، وتحية تقدير لسمو ولي العهد بتحقيقه أحلام شباب المملكة في التطوير والتحديث والأمل في مجالات متعددة منها ايضا السياحة الداخلية التي ستوفر الكثير من الأموال التي كانوا منالممكن ان تستغل داخليا بدلا من السفر المتكرر لقضاء الاجازات القصيرة للبحث عن حدائق للأطفال ومرافق سياحية عائلية ناهيك عن ان للترفيه دور كبير في بناء النفس السليمة و الصحة الجسدية المبنية بشكل مباشر على الصحة النفسية فالمرح المنضبط حق مشروع لكل مواطن سيعكس بدوره على عطاء الفرد في سوق العمل و اثبات النجاح 
في رايي المشاريع التي تبنتها السعوديه مؤخرا ستثبت للعالم ان العقول و الثروات البشرية من الممكن ان تحل مكان النفط و البترول اذا نقص او تعثر لا سمح الله مثل مشروع الطاقة الشمسية و غيرها من المشاريع التي بدات بها المملكة 
كمواطن عربي اشعر بفرح لبلد شقيق و شعب شقيق و من المؤكد ان هذا الفكر المستنير دينيا و ثقافيا سيعكس على الساحة العربية عامة بدحض الافكار البالية و الدخول لعالم جديد متطور فكريا و ثقافيا يعترف بحقوق الفرد الذكر و الانثى على حد سواء و يُؤْمِن بدور المراة الفعّال و يتبنى الوسطية الدينية التي ستعيد الكثير الى رحاب الدين بعد ان نَفَر البعض من الأصوات المتشددة التي فرقت الناس و شتتت الشعوب الحمد لله سيلتم الشمل العربي برؤية جديدة مبنية على التسامح و المحبة و العدل .

الجمعة، 22 يونيو 2018

الثروة الليبية مطمع للمافيا الدولية

بعد سبع سنوات عجاف مرت علي الشعب الليبي عقب اندلاع ثورة وهمية صنعها ساركوزي باعترافه ليغطي علي فضيحة تلقي أموال ليبية في حملته الانتخابية، فقد انكشف المستور، بات واضحا للعيان كيف كانت الثروات الليبية المجمدة في الخارج نهبا لأطماع الدول الغربية المودع بها بلايين الدولارات التي هي حق الشعب الليبي وأجياله المتعاقبة.

بعد هذه السنوات الثقيلة والقاتلة، أدرك كل مواطن عربي كيف كانت المنطقة العربية ومنها ليبيا فريسة لمخطط غربي جهنمي لاستلاب ثروات شعوبنا وتجويعها وادخالها في دوامات لا نهائية من الفوضى السياسية والأمنية والاقتصادية.

بدنا نفهم لماذا تحولت ليبيا لمستنقع من الفساد من كل حدب وصوب مالي وادراي وامني، فهناك من يدعم المليشيات المسلحة حتي لا تكون هناك قائمة لدولة مستقرة، وهناك من يدعم الجماعات المتطرفة لنشر الرعب واستمرار حالة الفوضى وعدم الاستقرار وهناك من يستلب النفط الليبي، وهناك أيضا من يدعم اشتعال حدة الصراع السياسي في البلاد بغية تفتيتها وتقسيمها فلا تبقي هناك دولة ليبية مستقرة تحت قيادة رشيدة يمكنها ان تحتكم لكل أشكال أدوات القانون الدولي لاستعادة أرصدتها المجمدة في بنوك الغرب.
 
عفن الفساد الدولي
فما ان تخلص الغرب من الرئيس الراحل معمر القذافي بلعبة فرنسية قذرة دفع الشعب الليبي ثمنا باهظا فيها، فان الغرب سرعان ما تنصل وعوده بمساعدة ليبيا ماليا وسياسيا، بل انه تنصل وعوده في إعادة الأرصدة المالية الكبرى المودعة لديه ليستفيد منها الشعب الليبي ويعيد بناء دولته، علما بأن هذه الأرصدة كفيلة بأن تجعل من الشعب الليبي من أغني شعوب المنطقة، خاصة وان التقديرات الدولية تشير إلى أن إجمالي الأموال والأصول الليبية بالخارج يتراوح بين 350 – 500 مليار، منها 170 على شكل استثمارات في البنوك الغربية.

عفن الفساد في الغرب كشف عن وجهه القبيح في أعلي مراحله في التجربة الليبية، لكنه فضح فضيحة يندي لها الجبين الإنساني، خاصة وانها فضيحة دمرت وطن وشعب في اجياله المتعاقبة، فسرقة أموال هذا الشعب العربي المنكوب من جانب فرنسا، قد أغرت باقي الدول الغربية بإمكانية سرقة ودائعه وأرصدته الثابتة وفوائدها الضخمة.

فوفقا لما كشف عنه الصحفي الأرجنتيني إدواردو فيبو  في مقاله المعنون ب 'كنوز القذافي التي سرقها الغرب'  فان الوعود التي قدمتها الدول الغربية للشعب الليبي في إحلال الديمقراطية في ربوع البلاد حال التخلص من نظام القذافي، لكن تلك الوعود ذهبت مع الريح، حتى تلك التي تتعلق بإعادة الأرصدة المالية الضخمة التي زعمت بأن عائلة القذافي تحتفظ بها في بنوك الغرب'.

وقد فضح  'فيبو' كلا من الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون  بتصدرهما ـ  بوصفه حسبما قال ـ الجوقة التي هيأت الظروف السياسية، عبر قرارات استصدرت من مجلس الأمن للتدخل العسكري في ليبيا والقضاء على النظام الذي كان يتباهي بمعاداته للغرب، رغم إقامته علاقات وثيقة مع العديد من قادة الدول الغربية وعلى رأسهم ساركوزي ذاته.

ووفقا لهذا المقال ذاته، فان 27 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إضافة إلى كندا والولايات المتحدة وسويسرا وأستراليا قامت بتجميد الأصول الليبية طبقا لقراري مجلس الأمن 1970 – 1973، إلا أنها بعد سقوط نظام القذافي لم تف بوعودها في إعادة الأموال المجمدة لأصحابها.
 
مأزق فرنسا
الفضيحة وتهمة الفساد التي تلاحق الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي باتت ملأ السمع والبصر، وكما يقال في الأثر الشعبي ' كل علي عينك يا تاجر '  خاصة وان الشهادات الصادرة في هذه القضية قد تابعها الملايين من البشر شرقا وغربا عبر المواقع الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها  ومنها شهادة رجل الأعمال اللبناني من أصل فرنسي، زياد تقي الدين، الذي أكد علي لقائه مع الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي لتسليمه الأموال من ليبيا المخصصة لتمويل حملته الانتخابية عام 2007.

ولا يمكن لعاقل ان تقبل فرنسا بأن تهتز سمعتها الدولية ويوجه قضائها الاتهام إلى الرئيس نيكولا ساركوزي بتهمة التمويل الليبي لحملته الانتخابية بمعزل عن وجود براهين علي فساده الأخلاقي والمالي، فلماذا تضر دولة بمكانة فرنسا بسمعتها الدولية وتضع ساركوزي تحت المراقبة القضائية الا اذا كانت هذه الاتهامات مؤكدة.

فبعد سبع سنوات علي جريمة تضييع ليبيا خرجت عائلة القذافى و كبار رجال دولته  ليوجهوا الاتهامات المباشرة لساركوزى بتلقى أموال من القذافى  ليصبح رئيسا لفرنسا بأموال الليبيين و أنه خطط لضرب ليبيا لإخفاء هذه الجريمة.
ناهيك عن وثيقة صدرت عام 2012، عن المحفظة الإفريقية الاستثمارية موقعة من قبل رئيس الاستخبارات الليبي السابق، موسى كوسا، تؤكد تمويل حملة ساركوزي بمبلغ تصل قيمته إلى 50 مليون يورو.

فقد أعلن سيف الإسلام القذافي، نجل الرئيس الليبي الراحل، إنه يمتلك العديد من الأدلة والشهود علي تلقي ساركوزي هذه الاموال أبرزهم عبد الله السنوسي، المدير السابق للاستخبارات الليبية، وبشير صالح بشير، المدير السابق لشركة ليبيا للاستثمار.

وقال إن ليبيا ساعدت ساركوزي حتى يصبح رئيسا، بهدف مساعدة الشعب الليبي ولكنه خيب آمال الليبيين، واصفا ساركوزي بمجرم حرب، وحمله المسئولية عن انتشار الإرهاب والهجرة غير القانونية في ليبيا.

والحقيقة انني أتفق مع وصف سيف الإسلام لساركوزي، فعندما نرصد الواقع الليبي المرير طوال هذه السنوات لنجد ان هذه الوصف لساركوزي كمسئول عن ضياع ليبيا أمر حقيقي، وانه لو توجد عدالة دولية لحوكم ساركوزي بصفته مجرم حرب!

فساركوزي بحسب تصريح ل مصطفى الدرسي وزير الصناعة الليبي السابق كان السبب وراء 'تدمير ليبيا' لعدم انصياع القذافي لمطالب بشراء أسلحة فرنسية.

تتأكد هذه الفضيحة الفرنسية أيضا بتصريحات أحمد قذاف الدم، بان بلاده دعمت الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي لضمان بقائه حليفا استراتيجيا، موضحا ان القذافي  كان يسعى لتأسيس ما يسمى بالولايات المتحدة الأفريقية، لذلك كان لا بد أن يكون لنا صديق مقرب فى الإليزيه من أجل هذه القضية الهامة والاستراتيجية.

وفي تقديري، فان الاتهامات الموجهة لساركوزي بوصوله علي رأس السلطة الفرنسية بأموال الليبيين تبدو صغيرة جدا قياسا علي جرائمه البشعة بحق الشعب الليبي  فقد استباح ساركوزي دم الشعب الليبي الطاهر وقتله بدم بارد مستخدما أسلحة محرمة دوليا وتسبب في ازهاق أرواح الاف الأبرياء من أبنائه الطاهرة، وتسبب لاحقا في تحويل ليبيا الي قبلة للإرهاب والفوضي .
 
تواطؤ دولي
المشهد الليبي الفوضوي اليومي الراهن والمستمر منذ سقوط  القذافي يعكس حقيقة ان التدخل العسكري الاروبي في ليبيا كان مبيتا من أجل وضع اليد علي مصاف النفط الليبي، وقد برهنت السنوات الماضية علي هذه الحقيقة بتحويل شرق ليبيا لمستنقع للإرهابيين، وتوظيفها الي ساحة لتهريب السلاح  ونشر الفوضى العارمة امنيا وسياسا في ربوعها.

وبرغم ان بريطانيا لم تكن بمعزل مخططات الإفادة من النفط الليبي، لكنها علي ما يبدو لم تكن تتخيل ان تصل الأوضاع فيها الي اللا دولة، فقد صدر تقرير برلماني بريطاني قبل عامين  أدان  فيه تدخل بريطانيا وفرنسا عسكريا للإطاحة بمعمر القذافي عام 2011، وأوضح التقرير أن التدخل العسكري البريطاني لم يستند لمعلومات استخباراتية دقيقة.

وهنا ينجلي حقيقة كيف جرت فرنسا حليفتها التاريخية إلى المستنقع الليبي الذي صنعته فرنسا بأطماعها النفطية والمالية في ليبيا، لكنهم يبقون الشراكة والمصالح غرب يتنقدون اليوم ويتحالفون غدا عند تقسيم الغنائم علي جسد الشعب المغلوب علي امره.
 
مطامع متجددة
وقد برزت مطامع الدول الغربية في الأموال الليبية عبر الترويج لفكرة أن تلك الأموال هي أموال القذافي، ومن ثم يمكن التلاعب بها ومصادرتها او استغلالها تحت اية ذريعة سياسية او امنية كما اعتاد الغرب ان يفصل الجرائم ويحيكها بدراما محكمة كما أحبك من قبل دراما امتلاك العراق للسلاح الكيماوي ليكون ذريعة لتدميره وتفتيته والاستيلاء علي ثروته النفطية، فان هذه الأموال المجمدة بالخارج قد أثبتت جميع التحريات أن جميعها مسجل باسم الدولة الليبية.

 ففي عام 2011، كانت ليبيا وفق محافظ المركزي الليبي المنشق عن نظام القذافي فرحات بن قدارة، قد أكد ان بلاده غير مدينة لأية دولة أجنبية، بينما كانت الأصول الليبية المقومة بالنقد الأجنبي تبلغ قيمتها 168.425 مليار دولارا.

وحسب تقرير لجنة مجلس الأمن الدولي، فان فريق الخبراء المعني بليبيا المنشأ عملا بالقرار 1973'2011'، قد تأكد إثر المشاورات التي أجراها مع عدد من الدول الأعضاء، ومديري الأموال، والموظفين السابقين في المؤسسة الليبية للاستثمار ورئيسها التنفيذي الحالي من أن مبلغ 67 بليون دولار يمثل مجموع أصول المؤسسة، بما في ذلك أصول الشركات التابعة لها، ويقر رئيس مجلس إدارة المؤسسة بأن هذا المبلغ جرى تقييمه في عام 2012، وأنه من الصعب تقييمه في الحالة الراهنة، وفي الواقع كان الفريق قد أفاد بأن مجموع الأصول كان يبلغ 56 بليون دولار في عام 2010.

الليبيون الشرفاء والخبراء بالشأن الاقتصادي الوطني يبدون مخاوف جمة من إمكانية الاستيلاء علي الأرصدة الليبية بالخارج  في ظل ما يرصدونه من تهديدات حقيقية قد تضييع هذه الأموال، ومن هذه التهديدات اعداد الدول الحاضنة لهذه الأموال الليبية من الإجراءات لاستخدامها واستغلالها في شكل تعويضات.

ولعله مما يبرهن علي صحة هذه المخاوف والتهديدات، ما أعلنه المبعوث الأممي غسان سلامة عن أن لجنة العقوبات تصرفت سابقاً في أجزاء من هذه الأموال دون علم الدولة الليبية وأن هناك مطامع في الاستيلاء عليها.

وتأكيدا لهذه التهديدات أيضا بمستقبل هذه الأموال فقد تناقلت وسائل الاعلام مؤخرا أنباءا عن ضياع أكثر من 10 مليار يورو من أرصدة ليبية مجمّدة تابعة للأذرع الاستثمارية الوطنية مقرها بلجيكا - العاصمة السياسية للاتحاد الأوروبي، وتحويل وجهتها إلى حسابات غير معروفة عبر شبكة من المصارف الدولية في الغرب والخليج وهذا يعني بما لايدع مجالا للشك بأن الثروة المالية الليبية تتعرض لأكبر عملية سطو دولية يصعب كشف لصوصها واثبات جرائمهم.

يبدو المجتمع الدولي ومن يسيطر علي صنع القرار من أساطين الساسة وكبار الاقتصاديين متواطئين في هذه الجريمة، الا بماذا نفسر ضبابية معايير الإفراج الجزئي عن بعض هذه، وما هو سر غموض الشروط والتعتيم عن الأطراف المطالبة بالإفراج عن الأموال  خلال حكومات عديدة في ليبيا؟، ولماذا تتعمّد أطراف النزاع بالداخل شراء الولاءات ونقل الأموال بين الحسابات السرية والتمويهية دون شفافية أو رقابة دولية؟

في تقديري، ان ترك ملف الازمة الليبية مشتعلا دون إيجاد مخرج عملي له يحقق له الامن والاستقرار، يبدو جليا اليوم  بأنه عملا مقصودا، فالدول الاوربية مستفيدة من إبقاء لأموال الليبية في مصارفها، وتبدو وكأنها تخطط للسطو عليها بطرق ملتوية، ولذلك لم يهتم الغرب بتسوية القضية الليبية وترك الغرب علي الغارب لكي تتحول ليبيا الي موطن للاجرام عبر التهريب والاتجار بالبشر ونشر الفوضى مستفيدة  في ذلك من استمرار اتون صراع واقتتال داخلي تحقق من خلاله مكاسب من مبيعات السلاح للأطراف المتنازعة.

ولاشك ان هناك عناصر ليبية في الداخل تسهم في نجاح المؤامرة الغربية علي ليبيا وسلب أموالها، مما يجعل الوطن الليبي نهبا للأطماع بالداخل والخارج معا  في مافيا لم يعرف التاريخ البشري لها مثيل.

 
مطلوب موقف عربي
في تقديري ان المجموعة العربية في مجلس الامن لابد وان تطرح خطة عملية علي مجلس الأمن من شأنها اتخاذ إجراءات قانونية تمنع أية دولة لديها أرصدة ليبية أو استثمارات من مصادرتها أو استغلالها دون تحقيق عوائد على هذه الأموال، والسماح بإدارتها وتعزيز حمايتها ومنع التصرف فيها من دون موافقة الدولة الليبية.

الأحد، 3 يونيو 2018

قهر الطفولة باسم الواجب المدرسي

عملت الواجب؟ جملة استفهامية ممقوتة يكرهها الصغار والكبار في مراحل التعليم الابتدائي والاعدادي بل والثانوي، خاصة عندما يتكرر سماعها من الأب والأم ومدرسي الفصول يوميا. فهم يكرورونها بلا كلل ولا ملل كأنها جرعة ماء لازمة للحياة وبدونها يموت الانسان ويفنى.
متابعتي للكثير من الصغار و بالأخص ابن صديقتي المقربة وهو ولد متفوق و ذكي مليء بالحيوية والنشاط اسمه كرم لبيب شويحات احبه من كل قلبي اضحكني كثيرا عندما كنت ازورهم ذات مرة فقال لي انهم خدعونا فقلت له من هم قال المدرسه لانهم خلونا نداوم قبل الكريسماس بيوم عشان امتحان وطول الليل ادرس وما لحقت اجيب اغراض العيد بالآخر ما عملولنا الامتحان 
كان هذا من عدة أشهر
لكن انا ارى كرم كل يوم يذاكر ٥ ساعات لدرجة ان والدته حفظت كل الدروس بدلا منه 
بالعودة لجملة عملت الواجب 
هذه الجملة تلقي بظلال الكآبة واحاسيس القهرالجبرية على الصغار وتشعرهم بعبء نفسي فوق طاقتهم  خاصة اذا ما أمضوا وقتا طويلا بالمدرسة، وبعدها يكونوا مكلفين باداء واجباتهم المنزلية وينتهي بهم في عمل شاق يخرجون منه الى النوم، وهم مجهدين عصبيا وعقليا ونفسيا، لانهم لم يجدوا لهم فسحة من الوقت لمشاهدة ما يفضلونه من برامج التلفاز، او متابعة الالعاب المفضلة على جهازهم المحمول او للدردشة والحوار مع الاسرة كنوع من التصريف والتنفيس عن أعباء يوم طويل على كاهلهم.ليس هذا فحسب ان الحياة لا تقتصر فقط على الدراسة فالكثير من الخبرات الحياتية التي يحتاجها الاطفال تكمن في تعاملاتهم اليومية اولا من التربية التي يجب ان يتلقوها من الاهل و تخصيص وقت كاف ليستمع الطفل او الصبي الى اهله و يعرف عاداتهم الحميدة و أصول التعامل و اُسلوب التصرف الصح و الغلط و الاتيكيت و ما الذي يجب ان يقال و كيف يقال و لمن يقال يتعلموا كيف لكل مقام مقال بكافة التعاملات وهذا لا يمكن ان يكون بزمن لا يتوفر به الوقت الكاف للقاء الاهل بأطفالهم 
ثانيا اللعب و المرح وهي حق مشروع لكل طفل لنموه النفسي و العقلي و العضلي و البدني فمهما كان نوع اللعب الذي يختاره الطفل من العاب رياضيه او اجتماعية فهو له انعكاسه الإيجابي على نفسية الطفل و صحته الجسدية اضافة لما يقوم به اللعب من تنمية الذكاء و القدرات و ما يعلمه للطفل من خبرات اضافة لجعله طفل ايجابي اجتماعي غير انطوائي متفاعل مع محيطه كما انه يقوم بتفريغ شحنات الطاقة لدى الكبار و الصغار 
ثالثا لا يقتصر التعليم على الكتب المدرسيه و المناهج فالثقافة العامه والعلم تطلب قراءات متنوعة فيجب تخصيص وقت قليل للطفل لقراءة كتاب علمي اضافة لقراءة كتاب مسلي مثل القصص المصورة التي تنمي الخيال و تصنع الأحلام و الطموح و السعادة هذا يطلب جزء من الوقت الذي تاخذه الواجبات المدرسية اليوميه المكثفة و لا تسمح للطفل ان يمارس باقي متطلبات حياته
رابعا الطفل بحاجه لبناء علاقات و اصدقاء من الاهل و الاقارب و الجيران ممن هم في مثل سنه او جيله يتبادل معهم أطراف الحديث و الافكار و يمارس معهم هواياته من رسم او سباق الدراجات او نط الحبل او لعبة الشطرنج او البلاي ستيشن او السباحه الى اخره من هوايات يختارها فالطفل يصاب بالتوحد و الخلل بالشخصية اذا انطوى على نفسه امام كتبه المدرسيه دون نشاطات اخرى مع اشخاص مختلفين تحت متابعة الاهل بمراقبة نوعية الاصدقاء و نوعية النشاطات 
رابعا الطفل بحاجة للراحة و النوم و انا الاحظ الكثير من الطفال من أبناء صديقاتي لا يتمكنون من النوم الباكر بسبب الواجبات المدرسيه فيبقى مع والديه يذاكر و يحل الدرس الى الساعه ١١مساء فمتى ينام الطفل و متى بصحى و كيف يركز ثاني يوم بالحصة وهو متعب و منهك ولَك يأخذ قسطه الكاف من النوم
خامسا و الأهم :
من المفروض ان المدرسه هي الصرح التعليمي الذي يذهب له الطفل لتلقي العلم و الفهم و يعود الى اهله جاهزا مجهزا فما الذي يفعله الطفل طوال ساعات وجوده في مبنى الدراسه اذا يعود للبيت ليذاكر المناهج !؟؟ من المفروض ان يراجع قليلا ما تلقاه في المدرسه و ليس كما ألاحظه بان الام و الاب يقومون بدور المدرس او المعلمة يشرحون الدرس و يحفظونه للطفل و كانه ذهب للمدرسه و عاد دون اي فائدة على الرغم من ان هذه المشكله في اغلب المدارس سواء حكومية او اهليه و بعض هذه المدارس أقساطها خرافية 

لدرجة انني اقترحت ان يحتفظ الآهل بهذه المبالغ الكبيرة من المال في البنك كل عام لأولادهم و يقومون بتدريس اولادهم في المنزل لان لم يختلف شيء عما هم عليه الان ومن ثم يكبر الطفل و يستثمر المبلغ الذي تم جمعه افضل بكثير من إرساله للمدرسه ليعود فارغا من التعليم و بكل الحالات الاهل هم من يقومون بتدريسه ربما هذا التهكم يستدعي تعجب القرّاء الا انه طفح الكيل في السكوت عن هذه المدارس ناهيك عن مشكلة الدروس الخصوصيه التي سأخصص لها مقال منفرد لاحقا 


فهؤلاء الاطفال الذين يعانون طول العام الدراسى من كثرة الواجبات المدرسية والاختبارات الشهرية، وتحرمهم من التمتع بطفولتهم وكانهم يقولون في لعبتهم المفضلة 'خلاوويص' ولكنهم يردون على بعضهم لسه! اشارة الي ان الواجبات لا تنتهي أبدا.
قد تكون الواجبات لمنزلية لها بعض الاهمية لدى الكثير من الأسر العربية باعتبار ما توفره من تأكيد المعلومة الدراسية وتثبيتها وتنشيط العقل بتفكير مستمر فيما يحصله من معلومات، ولذلك فهم يمارسون أقصى الضغوط على صغارهم وحتى أبنائهم الاكبر من أجل اتمام واجباتهم المدرسية متجاهلين في هذا السياق ما يخلقه الضغط عليهم بهذه الوجبات وكثرتها من ضغوط نفسية قد تعرقل العملية التعليمية لديهم بالاساس وتؤثر سلبا على تحصيلهم الدراسي.
تبدو التعليم وفق هذه المنظومة اكثر وحشية لانه يدخل الطالب والاسرة في دوامة لا تنتهي من الالتزامات الصعبة، فيبنما يكون التلميذ مطالب أداء الواجبات المدرسية، فانه ينهك في تحصيل دراسي أخر عبر الدروس الخاصة التي يأخذها خارج المدرسة وهي الاخري عليها واجبات منزلية فلا يجد الطالب وقتا لكل ذلك فيلجأ لمساعدة أسرته، التي تعيش في توتر هي الاخرى بين انفاق المال على الدروس الخصوصوية، وبمساعدتها ابنائها في تحصيل الدروس بالمدرسة والدرس معا.
وان كانت هذه الاسر المؤمنة بأهمية هذه الواجبات المدرسية ولا ترو انه لا يمكن الاستغناء عنه، فانني أعتقد انها مطالبة بتقليص الضرر الواقع على الطلاب  بتقليل هذه الواجبات بأكبر قدر ممكن وذلك عبر التنيسق والتشاور مع المدرسين والطلاب.
صراع يومي
بينما يقف بعض المتخصصيين في علم النفس والاجتماع موقفا مناهضا تماما من الواجبات المدرسية مطالبين بضرورة الغاءها، واستندوا في رفضهم الى زيادة العبء النفسي والذي يلقاه الطالب عند عودته للمنزل ويشرع في أداء هذه الواجبات مما يصيبه بالاجهاد العقلي ويؤثر سلبا على تحصيله الدراسي فيما دعوا لأهمية التعلم من خلال اللعب والاستمتاع.
وانني من أكثر المؤيديين لهذا الرأي، خاصة واني أرى ان قهر الطلاب بالواجبات المدرسية يخرج لنا أجيالا مقهورة تعيد الكرة فتمارس هي الاخرى القهر بمن حولها فيما بعد، وبذلك فان نحول العملية التعليمية من تنشئة علمية وتربوية وفكرية سليمة تنهض بالانسان ليكون سلوكه سوي واكثر تحضرا وانفتاحا على الاخرين  الى انسان اخر معقد بفعل القهر واجباره على الخضوع اليومي للواجبات المدرسية المهدرة لآدميته في الاستمتاع بالحياة واكتشافها بطريقته الخاصة.
وعموما فان المتخصصيين في علم  نفس الطفولة يؤكدون عبر دارساتهم المستفيضة، أن الواجبات المدرسية التى تزيد عن الحد، تحرم الطفل من التمتع بطفولته، وهى تضر بصحة الطفل النفسية وقدراته التعليمية على عكس ما يزعمه البعض من أنها تنمى قدراته المعرفية، حيث يقع التلميذ فريسة لمجموعة من الآثار السلبية منها: شعور الطفل بالإرهاق الجسمانى والعصبى الدائم، ضعف درجة الانتباه والتركيز بجانب فقدان الثقة بالنفس والميل الى الحزن والشعور بالملل والاحباط، بجانب فقد القدرة على التفكير الإبداعى والابتكارى في ظل شعوره الدائم بأنه كائن ضعيف مظلوم ومقهور.
ومن النتائج المترتبة على هذا الواجب المنزلي انه  يضعف الذكاء الاجتماعي لدى التلميذ وأيضا الذكاء الأكاديمي ومن ثم انخفاض مستوى التحصيل الدراسى.
كما انه يؤدي الى اضطراب العلاقة مع الوالدين نتيجـة كثرة إلحاحهم، وضغطهم المستمر، واستخدام العقاب أحيانا لإجبار التلميذ على استكمال واجباته بجانب اضطراب علاقته بمدرسيه نتيجة عدم قدرته علي اتمام كل واجباته، بل كثرة هذه الواجبات تجعل التلاميذ ينفرون من العملية التعليمية برمتها ويكرهون مواصلة التعلم.
تجارب مذهلة
المدهش في الأمر ان الاتجاهات الحديثة في التربية ترفض تكليف الطالب بالواجبات، وترى أن الوقت الذي يقضيه الطالب في المدرسة كاف، ووقته في البيت هو ملك له ومن حقه أن يكون تحت تصرفه ويستمتع به.
ولذلك، فاننا قد لا نندهش من دولة من أكثر دول العالم تقدما في مجال التعليم وهي فنلندا، قد ألغت الواجب المدرسي، بعد اثبتت ان الدراسة المكثفة ترهق العقل وتحول دورن قدرته علي الاستيعاب بشكل أفضل.
وأتصور اننا في أشد الحاجة لاستعادة الانشطة الثقافية والفنية والرياضية التي كانت تعج بها المدارس في الماضي وكانت تستهوي الصغار والكبار وتجعلهم اكثر ارتباطا بالمدرسة واكثر قدرة على تحمل الدراسة ومشاقها مثل الندوات والرحلات ومهرجانات سينما الاطفال.
وعلى الاسر ان تلجأ نظام الحوافز لتشجيعه على التركيز داخل الفصل ومذاكرة دروسه مثل منحه مكافأة مالية او منحه هدية قمية كان يحبها او اصحطابه الى احدى المطاعم التي يفضلها. كما يمكن شراء القصص التي  يحبها وغيرها حين تشير تقارير المدرسة الى تفوقه العلمي.